قديم 2015-05-02, 01:58   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post ابـن خلـدون

ابـن خلـدون . من هو ابـن خلـدون ؟؟. فلاسفة وعلماء ورحالة


ابـن خلـدون
1332- 1406م

هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي. مؤسس علم الاجتماع ومؤرخ تونسي مسلم ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم . ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م (732هـ) بالدار الكائنة بنهج تربة الباي . أسرة ابن خلدون أسرة علم وأدب، فقد حفظ القرآن الكريم في طفولته ، وكان أبوه هو معلمه الأول. شغل أجداده في الأندلس وتونس مناصب سياسية ودينية مهمة وكانوا أهل جاه ونفوذ، نزح أهله من الأندلس في أوساط القرن السابع الهجري، وتوجهوا إلى تونس حاضرة العلوم آنذاك، وكان قدوم عائلته إلى تونس خلال حكم دولة الحفصيين . ينتهى نسبه بالصحابى وائل بن حجر الحضرمي الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم قد دعا له :"اللهم بارك في وائل بن حجر وبارك في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة".

درس الأدب على أبيه، ثم لم يلبث أن التحق صغيراً ككاتب للعامة، بأمير تونس أبي إسحق الحفصي. وكانت وظيفته كتابة الشارة السلطانية بين البسملة والنص. لكن هذه الوظيفة لم ترضي طموح ابن خلدون. فقصد مراكش واتصل بسلطانها أبي عنان المريني، فأصبح أمينًا لسره سنة 1356، ولكنه خانه. ولدى اكتشاف المؤامرة طرح مترجمنا في السجن.

أطلق سراحه الوزير حسن بن عمر. بيد أن ابن خلدون انضمّ إلى أعداء الوزير وحاربه تحت راية المنصور بن سليمان. ثم ما لبث أن خان المنصور وألّب عليه القبائل لمصلحة خصمه أبي سالم الذي انتصر، فأولى أبن خلدون أمانة سر الدولة. وتغيّر عليه السلطان فسعى ابن خلدون مع أحد الوزراء السابقين وقلّبه. لكن الوزير استأثر بالوزارة فغضب ابن خلدون وسافر إلى غرناطة حيث عاش مدة في بلاط ملكها ابن الأحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب.

ترك ابن خلدون غرناطة ليعود عام 1365 إلى بجاية وقد تملكها صديقه القديم فولي رئاسة الوزارة. وحين قتل الأمير في حربه ضد ابن عمه، فاوض ابن خلدون الغازي لتسليمه المدينة لقاء احتفاظه بالوزارة فكان له ذلك. ثم لم يلبث أن تغيّر عليه الأمير فاضطر أن يهرب.

ظلّ ابن خلدون مدة يتنقل بين قبائل بني رياح، يستميلها تارة إلى السلطان أبي حمو وأخرى يكلف باستمالتها إلى عبد العزيز المريني.. ولكن تقلباته الدائمة أحنقت الجميع عليه فسافر إلى الأندلس. ولم يلق عند بني الأحمر ما كان ينتظره لأنهم علموا بمشايعته لوزيرهم السابق المغضوب عليه لسان الدين الخطيب.

عاد ابن خلدون إلى إفريقيا فوجد نفسه بقبضة السلطان أبي حمو الذي كان ابن خلدون قد خانه سابقا باستمالته قبائل بني رياح، فكلفه السلطان بإعادة الكرة لاستمالتها مجددا، لكنه اعتذر وانصرف إلى التأليف مدة أربع سنوات. فوضع في قلعة ابن سلامة مقدمة تاريخه وشرع بكتابة التاريخ. ثم تغير عليه صديقه مفتي تونس فأوغر صدر السلطان عليه واضطر ابن خلدون أن يسافر قصد الحج إلى مكة المكرمة 1382. ولما وصل إلى القاهرة، كانت شهرته قد سبقته، فشرع يدرس في الجامع الأزهر ثم عين أستاذا للفقه المالكي ثم قاضيا للمذهب. ولكن تشدّده أثار الناس عليه فعزل.

حجّ ابن خلدون الأماكن المقدسة ثم عاد إلى تولي القضاء ولكنه عزل. في عام 1400، رافق الحملة المصرية لمحاربة تيمورلنك في الشام. لكنه اتصل بالغازي الذي أعجب بعلمه ودهائه في مفاوضته بشأن الصلح. وبعد أن أقام ضيفا عليه 35 يومًا، عاد إلى مصر وتولى القضاء المالكي عام 1401.




اعتزل ابن خلدون الحياة بعد تجارب مليئة بالصراعات والحزن على وفاة أبويه وكثير من شيوخه إثر وباء الطاعون الذي انتشر في جميع أنحاء العالم سنة 749هجرية (1348 م)وتفرغ لأربعة سنوات في البحث والتنقيب في العلوم الإنسانية معتزلا الناس في سنينه الأخيرة، ليكتب سفره الخالد أو ما عرف بمقدمة أبن خلدون ومؤسسا لعلم الاجتماع بناء على الاستنتاج والتحليل في قصص التاريخ وحياة الإنسان. واستطاع بتلك التجربة القاسية أن يمتلك صرامة موضوعة في البحث والتفكير.

امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه القدامى على أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة من موطنه الأصيل تونس و بقية بلاد شمال أفريقيا الأمازيغية إلى بلدان أخرى مثل مصر والحجاز والشام، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.

يعتبر ابن خلدون العصبية هى الركيزة الأساسية لأى نشاط سياسي أو أجتماعي ، وأن الدولة لكى تقوم تحتاج إلى رابطة تجمع الأفراد تحت لوائها وتدفعهم للتضحية من أجلها ، والعصبية تقوم بهذا الدور ،استنادا على أن الإنسان كائن اجتماعى الطبع ويحتاج إلى كيان ينتمى إليه يوفر الحاجات التى لا يستطيع توفيرها منفرداً ، إذن الفرد والقبيلة باعتبارها أكثر أشكال الروابط شيوعاً وقتئذ كلاهما بحاجة للآخر لتستقيم أمورهما معاً . ويرى ابن خلدون في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي استحدثت مع انتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرِّفها قائلاً: ¸بأن قومًا من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تُدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قِبَل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوَّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونًا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق. ويحذّر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الاطلاع على العلوم الشرعية من التفسير والفقه، فيقول: ¸وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يُكبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خِلْو من علوم الملة فقلَّ أن يَسلَمَ لذلك من معاطبها·

ولعل ابن خلدون وابن رشد اتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجاهل الفكر المجرد لأن الشرع يرد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. ومن هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يُمعنوا في التجريد العقلي.

بسبب فكر ابن خلدون الدبلوماسي الحكيم ، أُرسل أكثر من مرة لحل نزاعات دولية ، فقد عينه السلطان محمد بن الأحمر سفيراً إلى أمير قشتالة لعقد الصلح . وبعد ذلك بأعوام ، استعان أهل دمشق به لطلب الأمان من الحاكم المغولي تيمور لنك ، والتقوا بالفعل .

كثير من الكتاب الغربيين وصفوا تقديم ابن خلدون للتاريخ بأنه أول تقديم لا ديني للتأريخ ، وهو له تقدير كبير عندهم.

وربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته و تجاربه و دعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا و غربا ، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة والتأليف والرحلات، ولكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية والعائلية.

كان ابن خلدون دبلوماسياً حكيماً أيضاً . وقد أُرسل في أكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول : مثلاً ، عينه السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له إلى أمير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما و كان صديقاً مقرباً لوزيره لسان الدين ابن الخطيب .كان وزيراً لدى أبي عبد الله الحفصي سلطان بجاية ، وكان مقرباً من السلطان أبي عنان المرينىقبل أن يسعى بينهما الوشاة . وبعد ذلك بأعوام استعان به أهل دمشق لطلب الأمان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك ، وتم اللقاء بينهما . وصف ابن خلدون اللقاء في مذكراته. إذ يصف ما رآه من طباع الطاغية ، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها ، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب الخصال الإسلامية لشخصية ابن خلدون ، أسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلاً، وذكائه وكرمه ، وغيرها من الصفات التي أدت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملاً متميزاً عن غيره من نصوص أدب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الإسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة. ويعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع. ساهم في الدعوة للسلطان أبى حمو الزيانى سلطان تلمسان بين القبائل بعد سقوط بجاية في يد سلطان قسنطينة أبى العباس الحفصى وأرسل أخاه يحيى بن خلدون ليكون وزيراً لدى أبى حمو.

وتوفي في مصر عام 1406 م، و دفن في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة. وقبره غير معروف.

يبقى ابن خلدون اليوم شاهدا على عظمة الفكر الإسلامي المتميز بالدقة و الجدية العلمية والقدرة على التجديد لاثراء الفكر الانساني.

يعتبر ابن خلدون أحد العلماء الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية، فهو مؤسس علم الاجتماع وأول من وضعه على أسسه الحديثة، وقد توصل إلى نظريات باهرة في هذا العلم حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها . وقد سبقت آراؤه ونظرياته ما توصل إليه لاحقاً بعدة قرون عدد من مشاهير العلماء كالعالم الفرنسي أوجست كونت .

لم يعرف التاريخ السياسي العربي رجلاً امتلأت حياته بالحوادث مثل ابن خلدون، حتى ليمكننا القول إن أبرز صفاته هي: التقلب، الدهاء، حب الظهور، الثقة بالنفس، الذكاء، حب العمل والمغامرات السياسية.

أما آثاره، فقد ذكر له لسان الدين بن الخطيب عددًا من الكتب، ولكن لم يصل إلينا سوى تاريخه الكبير وكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر وَمن عاصَرهم من ذوي السلطان الأكبر. يقع هذا الكتاب في سبعة مجلدات مرتبة حسب تعبير ابن خلدون نفسه، على مقدمة وثلاثة كتب، تتضمن الموضوعات التالية:

1- المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شيء من أسبابها.

2- الكتاب الأول: في العمران؛ وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما إلى ذلك من العلل والأسباب.

3- الكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم، منذ بدء الخليقة إلى هذا العهد، ومن عاصرهم من مشاهير الأمم ودولهم مثل النبط والسريان والفرس وبني إسرائيل واليونان والروم والقبط والترك والفرنجة.

4- الكتاب الثالث: في أخبار البربر ومَن إليهم، وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان لهم بديار المغرب، خاصة من المُلك والدول.

جاء في نهاية المجلد السابع من تاريخ ابن خلدون وبقلمه ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بابن خلدون مؤلف الكتاب ورحلته غرباً وشرقاً

وأصل هذا البيت من إشبيلية ؛ انتقل سلفُنا-عند الجَلاء ؤغَلَبِ ملك الجَلالقة ابن أُدْفُونْش عليها – إلى تُونس في أواسط المائة السابعة.

نسبه :

عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خَلدون ، لا أذكر من نسَبي إلىِ خلدون غير هؤلاء العشرة، ويغلب على الظن أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عدداً ؛ لأنَ خَلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس ، فإن كان أول الفتح فالمدّة لهذا العَهد سبعُمائة سنة ، فيكونون زهُاءَ العشرين ، ثلاثة لكل مائة ، كما تقدم في أول الكتاب الأول . وَنَسَبُنا حَضْر مَوت ، من عَرب اليمن ، إلى وائل بن حُجْر، من أقيال العَرب ، معْروف وله صُحبة . قال أبُو محمد بن حزْم في كتاب الجمهرة: وهو وائل بن حُجْر بن سعيد بن مَسْروق بن وائل بن النُّعمان بن ربيعة بن الحَرث بن عَوف بن سعد بن عوف بن عَديَ بن مالك بن شُرحْبيل بن الحارث بن مالك بن مُرة بن حِمْيَرِ بن زيد بن الخضْرَميّ بن عمرو بن عبد اللّه بن هانىء بن جُرسم بن عبد شمسى بن زيد بن لؤيّ بن ثبْت بن قُدامة بن أعجَب بن مالك بن لؤي بن قحطان . وابنه علقَمة بن وائل وعبد الجبار بن وائل .



يتبع













ابـن خلـدون

آخر مواضيعي

ابـن خلـدون

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 01:59   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

وذكره أبو عمر بن عبد البرّ في حرف الواو من "الاستيعاب"، وأنه وفد علىالنبي صلى الله عليه وسلم، فبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وقال: "اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة".
وبعث معه جارية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم القرآن والإسلام؛ فكانت له بذلك صحابة مع معاوية. ووفد عليه لأوّل خلافته فأجازه؛ فرّد عليه جائزته ولم يقبلها.

ولما كانت واقعة حجر بن عديّ الكندي بالكوفة، اجتمع رؤوس أهل اليمن، وفيهم هذا، فكانوا مع زياد بن أبي سفيان عليه، حتى أوثقوه وجاؤوا به إلى معاوية، فقتله كما هو معروف.
وقال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليّون من ولده، جدهم الداخل من المشرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانىء بن الخطاب بن كريت بن معد يكرب بن الحرث بن وائل بن حجر. قال: وكان من عقبه كريب بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد، وكانا من أعظم ثوار الأندلس.
وقال ابن حزم: وأخوه محمد، كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمد بن خلدون. وبنو أبي العاصي: محمد، وأحمد، وعبد الله. قال:- وأخوهم عثمان، وله عقب. ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس من تلاميذ مسلمة المجريطي، وهو أبومسلم عمر بن محمد بن تقي بن عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن عثمان بن خالد بن عثمان بن خلدون الداخل. وابن عمّه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: ولم يبق من ولد كريب الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد بن عبد الله بن كريت- انتهى كلام ابن حزم.
سلفه بالاندلس:
ولما دخل خلدون بن عثمان جدّنا إلى الأندلس، نزل بقرمونة في رهط من قومه حضرموت، ونشأ بيت بنيه بها، ثم انتقلوا إلى إشبيلية. وكانوا في جند اليمن، وكان الكريت من عقبه وأخيه خالد، الثورة المعروفة بإشبيلية أيام الأمير عبد الله المرواني؛ ثار على ابن أبي عبدة، وملكها من يده أعواماً، ثم ثار عليه إبراهيم بن حجاج، بإملاء الأمير عبد الله وقتله، وذلك في أواخر المائة الثالثة.
وتلخيص الخبر عن ثورته، على ما نقله ابن سعيد عن الحجازي وابن حيان وغيرهما، وينقلونه عن ابن الأشعث مؤرّخ إشبيلية: أنّ الأندلس لما اضطرمت بالفتن أيام الأمير عبد الله ، تطاول رؤساء إشبيلية إلى الثورة والإستبداد، وكان رؤساؤها المتطاولون إلى ذلك في ثلاثة بيوت: بيت بني أبي عبدة، ورئيسهم يومئذ أمية بن عبد الغافر بن أبي عبدة، وكان عبد الرحمن الداخل ولى أبا عبده إشبيلية وأعمالها، وكان حافده أمية من أعلام الدولة بقرطبة، ويولونه الممالك الضخمة. وبيت بني خلدون هؤلاء، ورئيسهم كريب المذكور، ويردفه أخوه خالد.
قال ابن حيّان: وبيت بني خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية في النباهة، ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانّية ورياسة علمية. ثم بيت بني حجّاج، ورئيسهم يومئذ عبد الله. قال ابن حيّان: هم- يعني بني حجاج- من لَخْم، وبيتهم إلى الآن في إشبيلية ثابت الأصل، نابت الفرع موسوم بالرياسة السلطانية والعلمية. فلمّا عظمت الفتنة بالأندلس أعوام الثمانين ومائتين، وكان الأمير عبد الله قد ولّى على إشبيلية أمية بن عبد الغافر، وبعث معه ابنه محمداً، وجعله في كفالته، فاجتمع هؤلاء النفر، وثاروا بمحمد ابن الأمير عبد الله وبأمّية صاحبهم، وهو يمالئهم على ذلك، ويكيد بابن الأمير عبد الله. وحاصروه في القصر، حتى طلب منهم اللحاق بأبيه فأخرجوه، واستبدّ أمية بإشبيلية، ودسّ على عبد الله بن حجّاج من قتله، وأقام أخاه إبراهيم مكانه. وضبط إشبيلية، واسترهن أولاد بني خلدون وبني حجاج، ثم ثاروا به، وهمّ بقتل أبنائهم؛ فراجعوا طاعته، وحلفوا له، فأطلق أبناءهم فانتقضوا ثانية. وحاربوه فاستمات وقَتَل حُرَمَهَ، وعقر خيوله، وأحرق موجوده. وقاتلهم حتى قتلوه مقبلاً غير مدبر، وعاثت العامة في رأسه. وكتبوا إلى الأمير عبد الله بأنه خَلَع فقتلوه، فقبل منهم مداراة، وبعث عليهم هشام بن عبد الرحمن من قرابته، فاستبدّوا عليه، وفتكوا بابنه، وتولّى كبر ذلك كريب بن خلدون، واستقل بإمارتها.
وكان إبراهيم بن حجّاج بعدما قتل أخوه عبد الله- على ما ذكره ابن سعيد عن الحجاري- سمت نفسه إلى التفرّد، فظاهر ابن حفصون أعظم ثوّار الأندلس يومئذ، وكان بمالقة وأعمالها إلى رُنْدَة، فكان له منه ردءَ. ثم انصرف إلى مداراة كُرَيب بن خَلدون وملابسته، فردفه في أمره، وأشركه في سلطانه، وكان في كريت تحامل على الرعيّة وتعصّب، فكان يتجهّم لهم، ويغلظ عليهم، وابن حجّاج يسلك بهم الرفق والتلطف في الشفاعة لهم عنده، فانحرفوا عن كريب إلى ابراهيم. ثم دسّ إلى الأمير عبد الله يطلب منه الكتاب بولاية إشبيلية، لتسكن إليه العامّة، فكتب إليه العهد بذلك. وأطلع عليه عرفاء البلد مع ما أشربوا من حبّه، والنفرة عن كُرَيب، ثم أجمع الثورة، وهاجت العامّة بكُرَيْب فقتلوه، وبعث برأسه إلى الأمير عبد الله، واستقرّ بإمارة إشبيلية.
قال ابن حيّان: وحصّن مدينة قَرْمُوَنة من أعظم معاقل الأندلس، وجعلها مرتبطاً لخيله، وكان ينتقل بينها وبين إشبيلية. واتخذ الجند ورتّبهم طبقات، وكان يصانع الأمير عبد الله بالأموال والهدايا، ويبعث إليه المدد في الصوائف. وكان مقصوداً ممدحاً، قصده أهل البيوتات فوصلهم، ومدحه الشعراء فأجازهم، وانتجعه أبو عمر بن عبد ربّه صاحب العقد، وقصده من بين سائر الثوّار، فعرف حقه، وأعظم جائزته. ولم يزل بيت بني خلدون بإشبيلية- كما ذكره ابن حيّان وابن حزم وغيرهما- سائر أيام بني أمية إلى زمان الطوائف، وانمحت عنهم الإمارة بما ذهب لهم من الشوكة.
ولما غلب كعب ابن عبّاد بإشبيلية، واستبدّ على أهلها، استوزر من بني خلدون هؤلاء، واستعملهم في رتب دولته، وحضروا معه وقعة الجلالقة كانت لابن عبّاد وليوسف بن تاشفين على ملك الجلالقة، فاستشهد فيها طائفة كبيرة من بني خلدون هؤلاء ثبتوا في الجولة مع ابن عبّاد فاستلحمّوا في ذلك الموقف. بما كان الظهور للمسلمين، ونصرهم الله على عدّوهم. ثم تغلّب يوسف بن تاشفين والمرابطون على الأندلس، واضمحلّت دولة العرب وفنيت قبائلهم.
سلفه بأفريقية:
ولما استولى الموحدون على الأندلس، وملكوها من يد المرابطين، وكان ملوكهم: عبد المؤمن وبنيه. وكان الشيخ أبو حفص كبير هنتاتة زعيم دولتهم، وولّوه على إشبيلية وغرب الأندلس مراراً، ثم ولّوا ابنه عبد الواحد عليها في بعض أيامهم، ثم ابنه أبا زكرياء كذلك، فكان لسلفنا بإشبيلية اتصال بهم، وأهدى بعض أجدادنا من قبل الأمّهات، ويعرف بابن المحتسب، للأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص أيام ولايته عليهم، جاريّة من سبي الجلالقة، اتخذها أم ولد، وكان له منها ابنه أبو يحيى زكريا وليّ عهده الهالك في أيامه، وأخواه: عمر وأبو بكر، وكانت تلقّب أمّ الخلفاء. ثم انتقل الأمير أبو زكريا إلى ولاية أفريقية سنة عشرين وستمائة. ودعا لنفسه بها، وخلع دعوة بني عبد المؤمن سنة خمس وعشرين وستمائة. واستبدّ بأفريقية، وانتقضت دولة الموحدين بالأندلس، وثار عليهم ابن هود. ثم هلك واضطربت الأندلس،وتكالب الطاغية عليها، وتردّد الغزو إلى الفرنتيرة، بسيط قرطبة وإشبيلية إلى جيّان، وثار ابن الأحمر من غرب الأندلس من حصن أرجُونَة، يرجو التماسك لما بقي من رمق الأندلس. وفاوض أهل الشورى يومئذ بإشبيلية. وهم بنو الباجي، وبنو الجدّ، وبنو الوزير، وبنو سيّد الناس، وبنو خلدون. وداخلهم في الثورة على ابن هود، وأن يتجافوا للطاغية عن الفرنتيرة، ويتمسّكوا بالجبال الساحلية وأمصارها المتوعّرة، من مالقة إلى غرناطة إلى المريّة؛ فلم يوافقوه على بلادهم. وكان مقدّمهم أبو مروان الباجي، فنابذهم ابن الأحمر وخلع طاعة الباجي، وبايع مرّة لابن هُود، ومّرة لصاحب مراكش من بني عبد المؤمن، ومرة للأمير أبي زكرياء صاحب أفريقية. ونزل غرناطة، واتخذها دار ملكه، وبقيت الفرنتيرة وأمصارها ضاحية من ظل المُلْك؛ فخشي بنو خَلدون سوء العاقبه مع الطاغية، وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة، ونزلوا سبتة وأجلب الطاغية على تلك الثغور؛ فملك قرطبة، وإشبيلية، وقرمونة وجيّان وما إليها، في مدّة عشرين سنة. ولما نزل بنو خَلدون بسبتة أصهر إليهم العزِفيّ بأبنائه وبناته، فاختلط بهم، وكان له معهم صِهْرٌ مذكور. وكان جدّنا الحسن بن محمد، وهو سبط ابن المحتسب، قد أجاز فيمن أجاز إليهم؛ فذكر سوابق سلفه عند الأمير أبي زكريا؛ فقصده، وقدم عليه فأكرم قدومه. وارتحل إلى المشرق؛ فقضى فرضه. ثم رجع ولحق بالأمير أبي زكريا على بونة، فأكرمه، واستقرّ في ظل دولته، ومرعى نعمته، وفرض له الأرزاق، وأُقْطع الإقطاع. وهلك هنالك؛ فدفن ببونة. وخلف ابنه محمدا أبا بكر فنشأ في جو تلك النعمة ومرعاها. وهلك الأمير أبو زكرياء ببونة سنة سبع وأربعين وستمائة، وولي ابنه المستنصر محمد؛ فأجرى جدّنا أبا بكر على ما كان لأبيه. ثم ضرب الدهر ضربانه، وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وولي ابنه يحيى، وجاء أخوه الأمير أبو إسحق من الأندلس، بعد أن كان فرّ إليها أمام أخيه المستنصر. فخلع يحيى، واستقلّ هو بملك أفريقية، ودفع جدّنا أبا بكر محمداً إلى عمل الأشغال في الدولة، على سنن عظماء الموحدين فيها قبله، من الإنفراد بولاية العمّال، وعزلهم وحسبانهم، على الجباية، فاضطلع بتلك الرتبة. ثم عقد السلطان أبو اسحق لابنه محمد، وهو جدّنا الأقرب، على حجابة وليّ عهد، ابنه أبي فارس أيام اقضاه إلى بجاية. ثم استعفى جدّنا من ذلك فأعفاه، ورجع إلى الحضرة. ولما غلب الدعي ابن أبي عمارة عل ملكهم بتونس، اعتقل جدّنا أبا بكر محمداً، وصادره على الأموال، ثم قتله خنقاً في محبسه. وذهب ابنه محمد جدّنا الأقرب مع السلطان أبي اسحق وأبنائه إلى بجاية؛ فتقبّض عليه ابنه أبو فارس، وخرج مع العساكر هو وإخوته لمدافعة الدعي ابن أبي عمارة، وهو يشبه بالفضل ابن المخلوع، حتى إذا استلحمّوا بمرما جنّة خلص جدّنا محمد مع أبي حفص- ابن الأمير أبي زكريا من الملحمة، ومعهما الفازازي وأبو الحسين بن سيّد النأس؛ فلحقوا بمنجاتهم كن قلعة سنان. وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص، وكان يؤثره عليهم. فأما أبل الحسين بن سيّد الناس فاستنكف من إيثار الفازازي عليه، بما كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية، ولحق بالمولى أبي زكرياء الأوسط بتلمسان، وكان من شأنه ما ذكرناه. وأما محمد بن خلدون فأقام مع الأمير أبي حفص، وسكن لإيثار الفازازي. ولما استولى أبو حفص على الأمور رعى له سابقته، وأقطعه، ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب، واستكفى به في الكثير من أمر ملكه، ورشحه لحجابته من بعد الفازازي. وهلك، فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة، واصطفى لحجابته محمد بن ابراهيم الدبّاغ كاتب الفازازي، وجعل محمد بن خلدون رديفاً في حجابته. فكان كذلك إلى أن هلك السلطان، وجاءت دولة الأمير خالد، فأبقاه على حاله من التجلّة والكرامة، ولم يستعمله ولا عقد له، إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني، فاصطنعه، واستكفى به عندما تنبّضت عروق التغلّب للعرب؛ ودفعه إلى حماية الجزيرة من دلاج، إحدى بطون سُلَيْم الموطنين بنواحيها؛ فكانت له في ذلك آثار مذكورة. ولما انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى المشرق، وقضى فرضه سنة ثمان عشرة، وأظهر التوبة والإقلاع، وعاود الحج متنقلا سنة ثلاث وعشرين، ولزم كسر بيته. وأبقى السلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الاقطاع والجراية، ودعاه إلى حجابته مراراً، فامتنع.




يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 02:00   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

أخبرني محمد بن منصور بن مزنى، قال: لما هلك الحاجب محمد بن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار سنة سبع وعشرين وسبعمائة، استدعى السلطان جدّك محمد بن خلدون، وأراده على الحجابة، وأن يفوض إليه في أمره، فأبى واستعفى، فأعفاه، وآمره فيمن يوليه حجابته، فأثار عليه بصاحب الثغر بجاية، محمد بن أبي الحسين بن سيدّ الناس، لاستحقاقة ذلك بكفايته واضطلاعه، ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس، وإشبيلية من قبل. وقال له: هو أقدر على ذلك بما هو عليه من الحاشية والدين، فعمل السلطان على إشارته، واستدعى ابن سيّد الناس، وولاّه حجابته. وكان السلطان أبو يحى إذا خرج من تونس يستعمل جدّنا محمداً عليها، وثوقاً بنظره واستنامة إليه، إلى أن هلك سنة سبع وثلاثين، ونزع ابنه، وهو والدي محمد أبو بكر، عن طريقة السيف والخدمة، إلى طريقة العلم والرباط، لما نشأ عليها في حجر أبي عبد الله الزبيدي الشهير بالفقيه، كان كبير تونس لعهده، في العلم والفتيا، وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن أبيه حسين وعمّه حسن، الوليّين الشهيرين. وكان جدّنا رحمه الله قد لازمه من يوم نزوعه عن طريقه، وألزمه ابنه، وهو والدي رحمه الله فقرأ وتفقّه، وكان مقدّما في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه. عهدي بأهل البلد بتحاكمون إليه فيه، ويعرضون حَوْكَهُم عليه، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وإربعين وسبعمائة.
نشأته ومشيخته وحاله:
أمّا نشأتي فإني ولدت بتونس في غرّة رمضان سنة إثنتين وثلاثين وسبعمائة، وربّيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعتُ وقرأتُ القرآن العظيم على الاستاذ المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري، أصله من جالية الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها، وكان إماما في القراءآت، لا يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه ففي القراءآت السبع أبو العباس أحمد بن محمد البطرني، ومشيخته فيها، وأسانيده معروفة. وبعد أن استظهرت القرآن الكريم من حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفراداً وجمعاً في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى، ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جمعاً بين الروايتين عنه؛ وعرضت عليه رحمه الله قصيدتي الشاطبي؛ اللامية في القراءآت، والرائية في الرسم، وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي العباس البطوي وغيره من شيوخه، وعرضت عليه كتاب التفسير لأحاديث الموطأ لابن عبد البرّ، حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ، مقتصراً على الأحاديث فقط. ودرست عليه كتباً جمّة، مثل كتاب التسهيل لابن مالك ومختصر ابن الجاجب في الفقه، ولم أكملهما بالحفظ، وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي وعلى أستاذي تونس: منهم الشيخ أبو عبد الله بن العربي الحصايري، وكان إماماً في النحو وله شرح مستوفى على كتاب التسهيل. ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش الزرزالي. ومنهم أبو العباس أحمد بن القصّار؛ كان ممتعاً في صناعة النحو، وله شرح على قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي وهو حيّ لهذا العهد بتونس.
ومنهم إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر؛ لازمت مجلسه وأفدت عليه، وكان بحراً زاخراً في علوم اللسان. وأشار عليّ بحفظ الشعر؛ فحفظت كتاب الأشعار الستة، والحماسة للأعلم، وشعر حبيب، وطائفة من شعر المتنبي، ومن أشعار كتاب الأغاني. ولازمت أيضاً مجلس إمام المحدّثين بتونس؛ شمس الدين أبي عبد الله بن جابر بن سلطان القيسيّ الوادياشي، صاحب الرحلتين؛ وسمعت عليه كتاب مسلم بن الحجّاج، إلاّ فوتا يسيراً من كتاب الصَّيد؛ وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوّله إلى آخره، وبعضاً من الأمّهات الخمس؛ وناولني كتباً كثيرة في العربية والفقة، وأجازني إجازة عامّة، وأخبرني عن مشايخه المذكورين أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العبّاس أحمد بن الغمّاز الخزرجي.
وأخذت الفقه بتونس عن جماعة؛ منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحيّاني، وأبو القاسم محمد القصير، قرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيدد البرادعي، مختصر المدوّنة، وكتاب المالكيّة، وتفقهت عليه. وكنت في خلال ذلك أنتاب مجلس شيخنا الإمام، قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام، مع أخي عمر رحمة الله عليهما. وأفدت منه، وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب الموطأ للإمام مالك، وكانت له فيه طرق عالية، عن أبي محمد بن هارون الطائي قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس، وكلّهم سمعت عليه ، وكتب لي وأجازني، ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف.

وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن، عندما ملك أفريقية سنة ثمان وأربعين، جماعة من أهل العلم، وكان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمّل بمكانهم فيه: فمنهم شيخ الفُتيا بالمغرب، وإمام مذهب ممالك، أبو عبد الله محمد بن سليمان السطّي؛ فكنت انتاب مجلسه، وأفدت عليه. ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن، وصاحب علامته التي توضع أسافل مكتوباته، إمام المحدثين والنحاة بالمغرب، أبو محمد بن عبد المهيمن الحضرمي؛ لازمته، وأخذت عنه، سماعاً، وإجازة، الأمهات الست، وكتاب الموطأ، والسير لابن اسحق، وكتاب ابن الصلاح في الحديث، وكتباً كثيرة شذت عن حفظي. وكانت بضاعته في الحديث وافرة، ونحلته في التقييد والحفظ كاملة؛ كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة آلاف سفر في الحديث والفقه، والعربية، والأدب، والمعقول، وسائر الفنون؛ مضبوطة كلها، مقابلة. ولا يخلو ديوان منها عن ثبت بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى مؤلفه، حتى الفقه، والعربية، الغريبة الإسناد إلى مؤلفيها في هذه العصور. ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي، إمام المقرئين بالمغرب. قرأت عليه القرآن العظيم، بالجمع الكبير بين القراءات السبع، من طريق أبي عمرو الداني، وابن شريح، في ختمة لم أكملها، وسمعت عليه عدة كتب، وأجازنى بالإجازة العامة.
ومنهم شيخ العلوم العقلية، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي. أصله من تلمسان، وبها نشأ، وقرأ كتب التعاليم، وحذق فيها. وأظله الحصار الكبير بتلمسان أعوام المائة السابعة؛ فخرج منها، وحج. ولقي أعلام المشرق يومئذ؛ فلم يأخذ عنهم، لأنه كان مختلطا بعارض عرض في عقله. ثم رجع من المشرق، وأفاق، وقرأ المنطق والأصلين، على الشيخ أبي موسى عيسى ابن الإمام، وكان قرأ بتونس، مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن، على تلاميذ ابن زيتون الشهير الذكر؛ وجاء إلى تلمسان بعلم كثير من المعقول والمنقول، فقرأ الآبلي على أبي موسى منهما كما قلناه. ثم خرج من تلمسان هاربا إلى المغرب، لأن سلطانها يومئذ، أبو حمّو من ولد يغمراسن بن زيان، كان يكرهه على التصرف في أعماله، وضبط الجباية بحسبانه، ففر إلى المغرب، ولحق بمراكش، ولزم العالم الشهير أبا العباس بن البناء الشهير الذكر، فحصل عنه سائر العلوم العقلية، وورث مقامه فيها وأرفع، ثم صعد إلى جبال الهساكرة، بعد وفاة الشيخ، باستدعاء علي بن محمد بن تروميت، ليقرأ عليه، فأفاده. وبعد أعوام استنزله ملك المغرب، السلطان أبو سعيد، وأسكنه بالبلد الجديد، والآبلي معه.
ثم اختصه السلطان أبو الحسن، ونظمه في جملة العلماء بمجلسه، وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية، ويبثها بين أهل المغرب، حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصارها، وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه. ولما قدم على تونس في جملة السلطان أبي الحسن، لزمته، وأخذت عنه الأصلين، والمنطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية؛ وكان رحمه الله، يشهد لي بالتبريز في ذلك.
وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن: صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي. كان يكتب عن السلطان، وبلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتاب يومئذ، وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسيم والمخاطبات، وبعضها يضعه السلطان بخطه. وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب، في براعة خطه، وكثرة علمه، وحسن سمته، وإجادته في فقه الوثائق، والبلاغة في الترسيل عن السلطان، وحوك الشِعْر، والخطابة على المنابر، لأنه كان كثيرا ما يصلي بالسلطان. فلما قدم علينا بتونس، صحبته، واغتبطت به، وإن لم أتخذه شيخا، لمقاربة السن، فقد أفدت منه كما أفدت منهم. وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة علي روي النون، يرغب منه تذكرة شيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه إلى السلطان أبي الحسن، في قصيدته على روي الباء، وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان. وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه:
عرفت زماني حين أنكرت عرفاني وأيقنت أن لا حظ في كف كيوان

وأن لا اختيار في اختيار مقـوم وأن لا قراع بالقـــران لأقران

وأن نظام الشكل أكمل نظمـــه لأضعاف قاض في الدليل برجحـان

وأنّ افتقار المرء في فقراتـــه ومن ثقله يغني اللبيب بـــأوزان

فمن بعدما شمت الخلاب ولم أرع لهشة راض أو لشرة غضبـــان

ولم يعشني للنار لمع شعاعــهـا فما كل نار نار موسى بن عمـران

ولم يبق لي في الغيب من أمل سوى لقاء ابن رضوان وجنة رضــوان

هنالك ألفيت العلا تنتـــمي إلى أناس ضئيل عندهم فخر غســان

وأرعيت من روض التأدب يـانعا وحييت من كنز العلـــوم بقعيان

وردت فلم تجدب لديه ريــادتي وصدق طرفي ما تلقته آذانـــي

فحسبك من آدابه كل زاخـــر يحييك معسولا بدر ومرجـــان

يحييك بالسلك الذي لم تحـط به طروس ابن سهل أو سوالف بوران

فقل بابلي إن ينافثك لفظـــة وفي وشيه الأطراس قل هو صنعاني

خلائق لم تخلق سدى بل تكملت بإسداء إنعام وإبلاء إحســـــان
ثم يقول في ذكر العلماء القادمين:
هم القوم كل القوم، أما حُلومُهــــم فأرسخ من طودي ثبير وثهلان

فلا طيش يعروهم وأما علومهــــم فأعلامها تهديك من غير نيران

بفقه يشيم الأصبحي صباحـــــه وأشهب منه يستدل بشهبــان

وحسن جدال للخصوم ومنطـــــق يجيئان في الأخفى بأوضح برهان

سقت روضة الآداب منهم سحائـــب سحبن على سحبان أذيال نسيـان

فلم يبق نأي ابن الإمام شماخـــــة على مدن الدنيا لأنف تلمســـان

وبعد نوى السطي لم تسط فأســــه بفخر على بغدان في عصر بغدان

وبالآبلي استسقت الأرض وبلهــــا ومستوبل ما مال عنه لأظعــان

وهامت على عبد المهيمن تونــــس وقد ظفرت منه بوصل وقربــان

وما علقت مني الضمائر غيـــــره وإن هويت كلا بحب ابن رضوان

وكتب هذا الشاعر: صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك:
لهي النفس في اكتساب وسعـــــي وهو العمر في انتهاب وفي

وأربى الناس بين ساع لرشــــــد يتوخى الهدى وساع لغـي

وأرى العلم للبرية زينـــــــــا فتزي منه بأحســـن زي

وأرى الفضل قد تجمع كـــــــلا في ابن عبد المهيمن الحضرمي

حل بالرتبة العلية في حضــــــرة ملك سامي العماد علــــي

قلم أوسع الأقاليم أمـــــــــرا فله قد أطاع كل عصـــي

قدر ما يفيد منـــه احتــــــذار فبأي تراه يقضي بـــــأي

يمنح العز والعلا ويــوالــــــي بالعطايا الجسام كل ولــــي

يلجأ الدارعون خوفا إليــــــــه هو يزري بالصارم المشرفــي

هو أعلى الأقلام في كل عصـــــر ث ينمى إلى الإمــــام علي

حليت تلكم الرياسة منـــــــــه بفريد في كل معنــــى سني

سالك ففي النظام درا وطــــــورا ناثر دره بنشر وطــــــي

بدع للبديع ترمي بحصــــــــر ولصابي بني بويه بعـــــي

ويرى أخرس العراق لديـــــــه إنه بالشام كالأعجمــــــي

وعلوم هي البحور ولكــــــــن ينثني الواردون منها بــــري

تصدر الأمة العظيمة عنـــــــه بحديث مجـــــــود مروي

وبفقه فيه وحسن مقـــــــــال يضع النور في لحاظ العمــــي

وبنحو ينحي على سيبويـــــــه ببيان في المبهمات جلــــــي

عمي الأخفشان عنه وســــــدت عن خفاياه فطنة الفارســـــي

يا أخا الحكم في الأنام وإنــــــي لأنادي رب الندى والنــــــدي

بنت فكري تعرضت لحماكــــــم فألقها راضيا بوجه رضــــــي

تبتغي القرب من مراقــــــــي الأماني والترقي للجانب العلـــوي

فأنلها مرامها نلت سهــــــــلا كل دان تبغي وكل قصـــــي


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 02:02   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان، فاتح تسع وأربعين وسبعمائة، فشغلوا عن ذلك، ولم يظفر هذا الرحوي بطلبته. ثم جاء الطاعون الجارف، فطوى البساط بما فيه، وهلك عبد المهيمن فيمن هلك، ودفن بمقبرة سلفنا بتونس، لخلّة كانت بينه وبين والدي، رحمه الله، أيام قدومهم علينا.

فلما كانت واقعة القيروان، ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان أبي الحسن، فاعتصموا بالقصبة دار الملك، حيث كان ولد السلطان وأهله، وانتقض عليه ابن تافراكين، وخرج من القيروان إلى العرب، وهم يحاصرون السلطان، وقد اجتمعوا على ابن أبي دبّوس، وبايعوا له كما مرّ في أخبار السلطان، فبعثوا ابن تافراكين إلى تونس، فحاصر القصبة، وامتنعت عليه. وكان عبد المهيمن يوم ثورة أهل تونس، ووقوع الهيعة، خرج من بيته إلى دارنا، فاختفى عند أبي رحمه الله، وأقام مختفياً عندنا نحواً من ثلاثة أشهر. ثم نجا السلطان من القيروان إلى سوسة، وركب البحر إلى تونس، وفرّ ابن تافراكين إلى المشرق. وخرج عبد المهيمن من الاختفاء، وأعاده السلطان إلى ما كان عليه، من وظيفة الولاية والكتابة، وكان كثيراً ما يخاطب والدي رحمه الله ويشكره على موالاته، ومما كتب إليه وحفظته من خطّه:
محمد ذوي المكارم قد ثنانـــــــي فعال شكرُهُ أبداً عناني

جزى الله ابن خلدونٍ حيــــــــاةً مُنَعَّمةً وخُلداً في الجنـان

فكم أولى ووالى من جمــيــــــل وبر بالفعال وباللســـان

وراعى الحضرمية في الذي قـــــد حبا من ورده ومن الجنــان

أبا بكر ثناؤُك طول دهـــــــرى أردّد باللسان وبالجنــــان

وعن علياك ما امتدت حياتــــــي أكافح بالحسام وباللســــان

فمنك أفدت خلا لست دهــــــري أرى عن حبه أثني عنـــان
وهؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الرحوي في شعره، هم سُباق الحلبة في مجلس السلطان أبي الحسن، اصطفاهم لصحابته من بين أهل المغرب. فأمّا ابنا الإمام منهم فكانا أخوين من أهل برشك، من أعمال تلمسان، واسم أكبرهما: أبو زيد عبد الرحمن، واسم الأصغر: أبو موسى عيسى، وكان أبوهما إماماً ببعض مساجد برشك، واتهمه المتغلّب يومئذ على البلد زيرم بن حمّاد، بأنّ عنده وديعة من المال لبعض أعدائه، فطالبه بها، ولاذ بالامتناع، وبيتّه زيرم، لينتزع المال من يده، فدافعه وقتل وارتحل ابناه هذان الأخوان إلى تونس في آخر المائة السابعة، وأخذا العلم بها عن تلاميذ ابن زيتون، وتفقّها على أصحاب أبي عبد الله بن شعيب الدُّكّالي، وانقلبا إلى المغرب بحظّ وافر من العلم. وأقاما بالجزائر يبثّان بها العلم، لامتناع برشك عليهما من أجل أضرر، زيرم المتغلب عليها، والسلطان أبو يعقوب يومئذ، صاحب المغرب الأقصى من بني مرين، جاثم على تلمسان يحاصرها الحصار الطويل المشهور، وقد بث جيوشه في نواحيها، وغلب على الكثير من أعمالها وأمصارها، وملك عمر مغراوة بشلف، وحصر مليانة، فبعث إليها الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر، وعليّ بن محمد ابن الخيّرمن بني ورتاجن، ومعهما لضبط الجباية واستخلاص الأموال الكاتب منديل بن محمد الكناني، فارتحل هذان الاخوان يومئذ من الجزائر، واحتلا بمليانة، فحليا بعين منديل الكناني، فقرّبهما واصطفاهما، واتخذهما لتعليم ولده محمد. ثم هلك يوسف بن يعقوب سلطان المغرب، بمكانه من حصار تلمسان، سنة خمس وسبعمائة على يد خصيّ من خصيانه؛ طعنه فأشواه، وهلك. وأقام بالملك بعده حافده أبو ثابت بعد أمور ذكرناها في أخبارهم، ووقع بينه وبين صاحب تلمسان من بعده يومئذ أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن، وأخيه ابي حمّو، العهد المتأكد على الإفراج عن تلمسان، وردّ أعمالها عليه، فوفّى لهم بذلك، وعاد إلى المغرب. وارتحل ابن أبي الطلاق من شلف والخبري، والكناني من مليانة راجعين إلى المغرب. ومرّوا بتلمسان، ومع الكناني هذان الاخوان، فأوصى لهما أبو حمّو، وأثنى عليهما. حلّه بمقامهما في العلم؛ واغتبط بهما أبو حمّو، واختط لهما المدرسة المعروفة بهما بتلمسان. وأقاما عنده على هدي أهل العلم وسننهم. وهلك أبو حمّو؛ فكانا كذلك مع ابنه أبي تاشفين إلى أن زحف السلطان أبو الحسن المريني إلى تلمسان، وملكها عنوة، سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب، أسست لهما في نفس السلطان عقيدة صالحة؛ فاستدعاهما لحين دخوله، وأدنى مجلسهما، وشاد بمكرمتهما، ورفع جاههما على أهل طبقتهما. وصار يجمّل بهما مجلسه متى مرّ بتلمسان، ووفدا عليه في الأولى التي نفر فيها أعيان بلادهما. ثم استنفرهما إلى الغزو، وحضرا معه واقعة طريف، وعادا إلى بلدهما. وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك، وبقي أخوه أبو موسى متبوّئاً ما شاء من ظلال تلك الكرامة. ولما سار السلطان أبو الحسن إلى أفريقية سنة ثمان وأربعين، كما مرّ في أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكّرماً موقّراً، عالي المحل، قريب المجلس منه. فلما استولى على أفريقية، سرّحه إلى بلده، فأقام بها يسيرآ، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة، وموقرين فيها طبقاً عن طبق إلى هذا العهد.
وأمّا السطّي، واسمه محمد بن علي بن سليمان، من قبيلة سطّة، من بطون أوربة بنواحي فاس. فنزل أبوه سليمان مدينة فاس، ونشأ محمد بها وأخذ العلم عن الشيخ أبي الحسن الصغير إمام المالكيّة بالمغرب، والطائر الذكر، وقاضي الجماعة بفاس، وتفقّه وقرأ عليه. وكان أحفظ الناس لمذهب مالك، وأفقههم فيه. وكان السلطان أبو الحسن لدينه وسراوته، وبعد شأوه في الفضل، يتشوف إلى تزيين مجلسه بالعلماء، واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته. كان منهم هذا الإمام محمد بن سليمان. وقدم علينا بتونس في جملته، وشهدنا وفور فضائله. وكان في الفقه من بينها لا يجارى، حفظاً وفهماً، عهدي به وأخي محمد رحمه الله يقرأ عليه من كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي، وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه، في مجالس عديدة. وكذا كان حاله في أكثر ما يعاني حمله من الكتب. وحضر مع السلطان أبي الحسن، واقعة القيروان، وخلص معه إلى تونس، وأقام بها نحواً من سنتين. وانتقض المغرب على السلطان، واستقل به ابنه أبو عنان. ثم ركب السلطان أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين، ومر ببجاية، فأدركه الغرق في سواحلها، فغرقت أساطيله، وغرق أهله، وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء وغيرهم. وألقاه البحر ببعض الجزر هناك، حتى استنفذه منه بعض أساطيله، ونجا إلى الجزائر بعد أن تلف موجوده، وهلك الكثير من عياله وأصحابه، وكان من أمره ما مرّ في أخباره.
وأمّا الآيّلي واسمه محمد بن إبراهيم، فمنشؤه بتلمسان، وأصله من جالية الأندلس، من أهل آيُلّة، من بلد الجوف منها، أجاز بأبيه وعمه أحمد، فاستخدمهم يغمراسن بن زيّان، وولده في جندهم، وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته، فولدت له محمداً هذا. ونشأ بتلمسان في كفالة جدّه القاضي؛ فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجنديّة التي كانت منتحل أبيه وعمّه. فلما أيفع وأدرك سبق إلى ذهنه محبّة التعاليم؛ فبرز بها، واشتهر. وعكف الناس عليه في تعلّمها وهذا في سنّ البلوغ. ثم أظل السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان، وخيّم عليها يحاصرها. وسيّر العساكر إلى الأعمال فافتتح أكثرها. وكان إبراهيم الآيُلّي قائداً بهنين؛ مرسى تلمسان في لجّة من الجند. فلمّا ملكها يوسف بن يعقوب، اعتقل من وجد بها من أشياع ابن زيان، واعتقل ابراهيم الآيُلّي فيهم. وشاع الخبر في تلمسان بانّ يوسف بن يعقوب يسترهن أبناءهم ويطلقهم فتشوّف ابنه محمد إلى اللحاق بهم، من أجل ذلك. وأغراه أهله بالعزم عليه فتسوّر الأسوار، وخرج إلى أبيه فلم يجد خبر الاسترهان صحيحاً. واستخدمه يوسف بن يعقوب قائداً على الجند الأندلسيين بتاوريرت، فكره المقام على ذلك، ونزع عن طوره، ولبس المسوح، وسار قاصداً الحجّ. وانتهى إلى رباط العبّاد مختفياً في صحبة الفقراء؛ فوجد هنالك رئيساً من كربلاء ثم من بني الحسين، جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوتهم فيه، وكان معقلأ؛ فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب، وشدّة هيبته غلب عليه اليأس من مرامه، ونزع عن ذلك، واعتزم الرجوع إلى بلده، فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته. قال لي رحمه الله: وبعد حين انكشف لي حاله، وما جاء له، واندرجت في جملتة وأصحابه وتابعيه. قال: وكان يتلقّاه في كل بلد من أصحابه وأشياعه وخدمه من يأتيه بالأزواد، والنفقات من بلده، إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى الإسكندرية. قال: واشتدّت علي الغلُمَة في البحر، واستحييت من كثرة الاغتسال لكان هذا الرئيس فأشار عليّ بعض بطانته بشرب الكافور؛ فاغترفت منه غرفة، فشربتها فاختلطت. وقدم الديار المصرية على تلك الحال، وبها يومئذ تقيّ الدين بن دقيق العيد، وابن الرفُعَة وصفيّ الدين الهندي، والتبريزي، وابن البديع وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول. فلم يكن قُصَارَاه إلاّ تمييز أشخاصهم، إذا ذكرهم لنا، لما كان به من الاختلاط. ثم حجّ مع ذلك الرئيس، وسار في جملته إلى كربلاء؛ فبعث به من أصحابه من أوصله إلى مأمنه من بلاد زواوة من أطراف المغرب. وقال لي شيخنا رحمه الله: كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب، واستبطنتها في جبّة كنت ألبسها؛ فلمّا نزل بي ما نزل انتزعها مني حتى إذا بعث أصحابه يشيّعونني إلى المغرب، دفعها إليهم، حتى إذا أوصلوني إلى المأمن، أعطوني إياها وأشهدوا عليّ بها في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم. ثم قارن وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار، فعاد إلى تلمسان، وقد أفاق من اختلاطه، وانبعثت همّته إلى تعلّم العلم. وكان مائلاً إلى العقليات؛ فقرأ المنطق على أبي موسى ابن الإمام، وجملة من الأصلين، وكان أبو حمّو صاحب تلمسان يومئذ قد استفحل ملكه، وكان ضابطاً للأمور، وبلغه عن شيخنا تقدّمه في علم الحساب؛ فدفعه إلى ضبط أمواله ومشارفة عماله. وتفادى شيخنا من ذلك؛ فأكرهه عليه، فأعمل الحيلة في الفرار منه، ولحق بفاس أيام السلطان أبي الربيع. وبعث فيه أبو حمّو، فاختفى بفاس عند شيخ التعاليم من اليهود، خلوف المغيلي؛ فاستوفى عليه فنونها، وحذق. وخرج متوارياً من فاس؛ فلحق بمراكش، أعوام عشروسبعمائة. ونزل على الإمام أبي العبّاس بن البنّاء شيخ المعقول والمنقول، والمّبرز في التصوّف علماً وحالاً، فلزمه، وأخذ عنه. وتضلّع من علم المعقول والتعاليم والحكمة. ثم استدعاه شيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه، وكان ممرضا في طاعه السلطان؛ فصعد إليه شيخنا وأقام عنده مدة، قرأ عليه فيها وحصّل. واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ، فكثرت إفادته، واستفادته، وعلي بن محمد في ذلك على محبته وتعظيمه، ومحبته، وامتثال إشارته، فغلب على هواه، وعظمت رياسته في تلك القبائل. ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله، نزل الشيخ معه، وسكن بفاس. وانثال عليه طلبة العلم من كلّ ناحية؛ فانتشر علمه، واشتهر ذكره، فلمّا فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقي أبا موسى ابن الإمام، ذكره له بأطيب الذكر، ووصفه بالتقدّم في العلوم. وكان السلطان معتنياً بجمع العلماء بمجلسه، كما ذكرنا. فاستدعاه من مكانه بفاس، ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه، وعكف على التدريس والتعليم، ولزم صحابة السلطان، وحضر معه واقعة طريف، وواقعة القيروان بأفريقية. وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله صحابة، كانت وسيلتي إليه في القراءة عليه؛ فلزمت مجلسه، وأخذت عنه. وافتتحت العلوم العقليّة بالتعاليم. ثم قرأت المنطق، وما بعده من الأصليْن، وعلوم الحكمة وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب، وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا، فأشرنا عليه بالمقام، وثبّطناه عن السفر؛ فقبل، وأقام. وطالبنا به السلطان أبو الحسن؛ فأحسنّا له العذر. فتجافى عنه، وكان من حديث غرقه في البحر ما قدّمناه. وأقام الشيخ بتونس، ونحن وأهل بلدنا جميعاً نتساجل هنتاتة، وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله، وملك تلمسان من بني عبد الواد، كتب فيه يطلبه من صاحب تونس، وسلطانها يومئذ أبو إسحق ابراهيم ابن السلطان أبي يحيى، في كفالة شيخ الموحّدين أبي محمد بن تافراكين؛ فأسلمه إلى سفيره، وركب معه البحر في أسطول السلطان الذي جاء فيه السفير. ومرّ ببجاية، ودخلها، وأقام بها شهراً، حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول. ثم ارتحل، ونزل بمرسى هنين وقدم على السلطان بتلمسان، وأحلّه محل التكرمة، ونظمه في طبقة أشياخه من العلماء. وكان يقرأ عليه، ويأخذ عنه إلى أن هلك بفاس سنة سبع وخمسين وسبعمائة. وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة إحدى وثمانين وستمائة.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 02:26   المشاركة رقم: 5 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Feb 2015
العضوية: 19
الجنس :
أنثــــى
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 10,064 [+]
بمعدل : 9.83 يوميا
عدد المواضيع : 4465
عــدد الــردود : 5599
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 0
تلقى إعجابات : 4075
أرسل إعجابات : 4538
الحالة:
أم التوام غير متواجد حالياً
أم التوام is an unknown quantity at this point
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
افتراضي

جزاك الله خيرا اخي مختار

يثبت الموضوع لاهميته











آخر مواضيعي

ملف كامل حلويات عيد الفطر 2016


صدور كروشي 2015


قنادرقطيفة 2016


فساتين بيت 2015


قنادر قطيفة 2016


عرض البوم صور أم التوام   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 11:49   المشاركة رقم: 6 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
افتراضي

شكرا أختي حنين على التتبيث

وإن شاء الله نوفي الموضوع ونعطيه حقه











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:23   المشاركة رقم: 7 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

وأمّا عبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن، فأصله من سبتة، وبيتهم بها قديم، ويعرفون ببني عبد المهيمن وكان أبوه محمد قاضيها أيام بني العزفي. ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته، وأخذ عن مشيختها. واختصّ بالأستاذ أبي إسحق الغافقي. ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد، صاحب الأندلس، سبتة ونقل بني العزفي، مع جملة أعيانها إلى غرناطة، ونقل معهم القاضي محمد بن عبد المهيمن، وابنه عبد المهيمن؛ فاستكمل قراءة العلم هنالك وأخذ عن أبي جعفر بن الزبير ونظرائه، وتقدّم في معرفة كتاب سيبويه، وبرز في علو الإسناد، وكثرة المشيخة. وكتب له أهل المغرب والأندلس والمشرق، واستكتبه رئيس الأندلس يومئذ، الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الرُندي، المستبد على السلطان المخلوع من بني الأحمر، فكتب عنه، ونظمه في طبقة الفضلاء الذين كانوا بمجلسه، مثل المحدّث الرحالة أبي عبد الله بن رشيد الفهري، وأبي العباس أحمد العزفي، والعالم الصوفيّ المتجرّد، أبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني، وكانا لا يجاريان في البلاغة والشعر- إلى غير هؤلاء ممن كان مختصًّاً به؛ وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ غرناطة. فلما انكب الوزير ابن الحكيم، وعادت سبتة إلى طاعة بني مرين عاد عبد المهيمن إليها واستقر بها، ثم ولى الأمرأبو سعيد، وغلب عليه ابنه أبو علي، واستبدّ بحمل الدولة. تشّوف إلى استدعاء الفضلاء، وتجمّل الدولة بمكانهم فاستقدم عبد المهيمن من سبتة، واستكتبه سنة إثنتي عشرة وسبعمائة. ثم خالف على أبيه سنة أربع عشرة وسبعمائة، وامتنع بالبلد الجديد، وخرج منها إلى سجلماسة لصلح عقده مع أبيه، فتمسّك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن، واتخذه كاتباً، إلى أن دفعه لرياسة الكتّاب، ورسم علامته في الرسائل والأوامر؛ فتقدّم لذلك سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. وسار مع أبي الحسن إلى أفريقية، وتخلّف عن واقعة القيروان بتونس؛ لما كان به علّة التقرس. فلمّا كانت الهيعة بتونس، ووصل خبر الواقعة، وتحيّز أولياء السلطان إلى القصبة، مع حرمه، تسرب عبد المهيمن في المدينة، منتبذاً عنهم، وتوارى في بيتنا، خشية أن يصاب معهم بمكروه. فلمّا انجلت تلك الغيابة. ورجع السلطان من القيراوان إلى سوسة، وركب منها البحر إلى تونس، أعرض عن عبد المهيمن، لما سخط غيبته عن قومه بالقصبة، وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله بن أبي مدين، وقد كانت من قبل مقصورة من قبل على هذا البيت، وأقام عبد المهيمن عطلاً من العمل مدة أشهر. ثم اعتبه السلطان، ورضي عنه، وأعاد إليه العلامة كما كان، وهلك لأيام قلائل بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ومولده سنة خمس وسبعين وستمائة من المائة قبلها، وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به في تاريخ غرناطة فليطالعه هناك من أحبّ الوقوف عليه.
وإما ابن رضوان الذي ذكره الرحويّ في قصيدته، فهو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان البحاري؛ أصله من الأندلس نشأ بمالقة، وأخذ عن مشيختها، وحذق في العربية والأدب، وتفنّن في العلوم، ونظم ونثر، وكان مجيداً في الترسيل، ومحسناً في كتابة الوثائق. وارتحل بعد واقعة طريف، ونزل بسبتة، ولقي بها السلطان أبا الحسن، ومدحه، وأجازه، واختصّ بالقاضي إبراهيم بن أبي يحيى، وهو يومئذ قاضي العساكر، وخطيب السلطان، وكان يستنيبه في القضاء والخطابة، ثم نظمه في حلبة الكتّاب بباب السلطان. واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس الكتاب والأخذ عنه، إلى أن رحل السلطان إلى أفريقية، وكانت واقعة القيروان، وانحصر بقصبة تونس مع من انحصر بها من أشياعه مع أهله وحرمه. وكان السلطان قد خلّف ابن رضوان هذا بتونس في بعض خدمه، فجلا عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات. وتولّى كبر ذلك، فقام فيه أحسن قيام، إلى أن وصل السلطان من القيروان، فرعى له حق خدمته، تأنيساً، وقرباً، وكثرة استعمال، إلى أن ارتحل من تونس في الأسطول، إلى المغرب سنة خمسين وسبعمائة كما مرّ. واستخلف بتونس ابنه أبا الفضل وخلّف أبا القاسم بن رضوان كاتباً له؛ فأقاما كذلك أياماً. ثم غلبهم على تونس سلطان الموحدّين الفضل ابن السلطان أبي يحى. ونجا أبو الفضل إلى أبيه، ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه؛ فأقام بتونس حولاً، ثم ركب البحر إلى الأندلس، وأقام بالمريّة مع جملة من هنالك من أشياع السلطان أبي الحسن؛ كان فيهم عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة، كافلاً لحرم السلطان أبي الحسن؛ وابنه. أركبهم السفين معه من تونس عندما ارتحل؛ فخلص إلى الأندلس، ونزلوا بالمرية، وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس؛ فلحق بهم ابن رضوان، وأقام معهم. ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس إلى أن يستكتبه فامتنع، ثم هلك السلطان أبو الحسن، وارتحل مخلّفه الذين كانوا بالمرّية. ووفدوا على السلطان أبي عنان. ووفد. معهم ابن رضوان؛ فرعى له وسائله في خدمة أبيه، واستكتبه، واختصه بشهود مجلسه، مع طلبة العلم بحضرته. وكان محمد بن أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة، ونجي الخلوة، وصاحب العلامة، وحسبان الجباية والعساكر، قد غلب على هوى السلطان، واختص به؛ فاستخدم له ابن رضوان حتى علق منه بدمه. ولاية وصحبة، وانتظاماً في السمر، وغشيان المجالس الخاصة، وهو من ذلك يدنيه من السلطان. وينفق سوقه عنده، ويستكفي به في مواقف خدمته إذا غاب عنها لما هو أهم فحلي بعين السلطان، ونفقت عنده فضائله. فلما سار ابن أبي عمرو في العساكر إلى بجاية، سنة أربع وخمسين، انفرد ابن رضوان بعلامة الكتاب عن السلطان. ثم رجع ابن أبي عمرو، وقد سخطه السلطان؛ فأقصاه إلى بجاية وولاّه عليها، وعلى سائر أعمالها، وعلى حرب الموحّدين بقسنطينة. وأفرد ابن رضوان بالكتابة، وجعل إليه العلامة، كما كانت لابن أبي عمرو، فاستقلّ بها، موفّر الاقطاع، والإسهام، والجاه. ثم سخطه آخر سبع وخمسين وسبعمائة، وجعل العلامة لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين، والإنشاء والتوقيع لأبي إسحق إبراهيم بن الحاج الغرناطي. فلما كانت دولة السلطان أبي سالم، جعل العلامة لعلي بن محمد بن سعود صاحب ديوان العساكر، والإنشاء والتوقيع والسرّ لمؤلف الكتاب عبد الرحمن بن خلدون. ثم هلك أبو سالم سنة إثنتين وستين، واستبدّ الوزير عمر بن عبد الله على من كفله من أبنائه، فجعل العلامة لابن رضوان، سائر أيامه، وقتله عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، واستبدّ بملكه، فلم يزل ابن رضوان على العلامة، وهلك عبد العزيز، وولى ابنه السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي بن الكاس، وابن رضوان على حاله، ثم غلب السلطان أحمد على الملك، وانتزعه من السعيد، وأبي بكر بن غازي، وقام بتدبير دولته محمد بن عثمان بن الكاس، مستبدّاً عليه، والعلامة لابن رضوان، كما كانت، إلى أن هلك بأزمور في حركات السلطان أحمد إلى مراكش، لحصار عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي وكان في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كثيرة من فضلاء المغرب وأعيانه،هلك كثيرون منهم في الطاعون الجارف بتونس، وغرق جماعة منهم في أسطوله لما غرق، وتخطت النكبة منهم آخرين إلى أن استوفوا ما قدّر من آجالهم. فمن حضر معه بأفريقية من العلماء، شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد الزواوي، شيخ القراءات بالمغرب: أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس، وروى عن الرحالة أبي عبد الله محمد بن رشيد، وكان إماماً في فن القراءات وصاحب ملكة فيها لا تجارى. وله مع ذلك صوت من مزامير آل داود، وكان يصلّي بالسلطان التراويح، ويقرأ عليه بعض الأحيان

حزبه. وممن حضر معه بأفريقية، الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصبّاغ من أهل مكناسة. كان مبرّزاً في المعقول والمنقول، وعارفاً بالحديث وبرجاله، وإماماً في معرفة كتّاب الموطأ وإقرائه أخذ العلوم عن مشيخة فاس ومكناسة، ولقي شيخنا أبا عبد الله الأيلّئ، ولازمه، وأخذ عنه العلوم العقلية فاستنفد بقية طلبه عليه، فبرز آخراً، واختاره السلطان لمجلسه، واستدعاه، ولم يزل معه إلى أن هلك غريقاً في ذلك الأسطول.
ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد النور، من أعمال ندرومة، ونسبه في صنهاجة كان مبرّزاً في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس، تفقّه فيه على الأخوين أبي زيد، وأبي موسى ابني الإمام، وكان من جملة أصحابهما.
ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان، رفع من منزلة ابني الإمام، واختصهما بالشورى في بلدهما. وكان يستكثر من أهل العلم في دولته، ويجري لهم الأرزاق، ويعمر بهم مجلسه؛ فطلب يومئذ من ابن الإمام أن يختار له من أصحابه من ينظمه في فقهاء المجالس؛ فأشاروا عليه بابن عبد النور هذا؛ فأدناه، وقرّب مجلسه، وولاه قضاء عسكره، ولم يزل في جملته إلى أن هلك في الطاعون بتونس سنة تسع وأربعين. وكان قد خلف بتلمسان أخاه علياً رفيقه في دروس ابن الإمام، إلا أنه أقصر باعاً منه في الفقه. فلمّا خلع السلطان أبو عنان طاعة أبيه السلطان أبي الحسن، ونهض إلى فاس، استنفره في جملته. وولاّه قضاء مكناسة؛ فلم يزل بها، حتى إذا تغلّب عمر بن عبد الله على الدولة كما مرّ، نزع إلى قضاء فرضه؛ فسرّحه. وخرج حاجا سنة أربع وستين؛ فلما قدم على مكة، وكان به بقيه مرض، هلك في طواف القدوم. وأوصى أمير الحاج على ابنه محمد، وأن يبلغ وصيته به للأمير المتغلب على الديار المصرية يومئذ، يلبغا الخاصكي، فأحسن خلافته فيه، وولاّه من وظائف الفقهاء ما سدّ به خلّته، وصان عن سؤال الناس وجهه؛ وكان له عفا الله عنه كلف بعمل الكيمياء، تابعاً لمن غلظ في ذلك من أمثاله. فلم يزل يعاني من ذلك ما يورّطه مع الناس في دينه وعرضه، إلى أن دعته الضرورة للترحل عن مصر، ولحق ببغداد. وناله مثل ذلك؛ فلحق بماردين، واستقر عند صاحبها، وأحسن جواره، إلى أن بلغنا بعد التسعين أنه هلك هنالك حتف أنفه، والبقاء لله وحده.
ومنهم شيخ التعاليم أبو عبد الله محمد بن النجّار من أهل تلمسان؛ أخذ العلم ببلده عن مشيختها، وعن شيخنا الآُيلي، وبرّز عليه. ثم ارتحل إلى المغرب، فلقي بسبتة إمام التعاليم، أبا عبد الله محمد بن هلال شارح المجسطي في الهيئة، وأخذ بمراكش عن الإمام أبي العباس بن البناء، وكان إماماً في علوم النجامة وأحكامها، وما يتعلق بها، ورجع إلى تلمسان بعلم كثير، واستخلصته الدولة. فلما هلك أبو تاشفين، وملك السلطان أبو الحسن، نظمه في جملته وأجرى له رزقه، فحضر معه بإفريقية، وهلك في الطاعون.
ومنهم أبو العباس أحمد بن شعيب من أهل فاس، برع في الادب واللسان، والأدب، والعلوم العقلية، من الفلسفة، والتعاليم، والطب، وغيرها، ونظمه السلطان أبو سعيد في جملة الكتاب، وأجرى عليه رزق الأطباء لتقدمه فيه؛ فكان كاتبه، وطبيبه؛ وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده؛ فحضر بأفريقية، وهلك بها في ذلك الطاعون. وكان له شعر سابق به الفحول من المتقدّمين والمتأخّرين، وكانت له إمامة في نقد الشعر، وبصر به؛ وما حضرني الآن من شعره:


دار الهوى نجد وساكنهــــــا أقصى أماني النفس من نجد

هل باكر الوسمي ساحتهـــــا واستن في قيعانها الجــرد

أو بات معتل النسيم بهــــــا مستشفياً بالبان والرنـــد

يتلو أحاديث الذين هـــــــم قصدي وإن جاروا عن القصد

أيام سمر ظلالها وطنــــــي منها وزرق مياههــا وردي

ومطارح النظرات في رشـــاءٍ أحوى المدامع أهيف القـــد

يرنو إليك بعين جــاريــــة قُتل المحب بها على عمـــد

حتى أجدّ على عجـــــــل ريب الخطوب وعاثر الجــد

فقدوا فما وأبيك بعدهــــــم ما عشت لا آسى على الفقــد

وغدوا: دفيناً قد تضمّنـــــه بطن الثرى وقرارة اللحــد

ومشرداً من دون رؤيتـــــه قذف النوى وتنوفة البعـــد

أجرى علي العيش بعدهــــم أني فقدت جميعهم وحـــدي

لا تلحني يا صاح في شجـــن أخفيت منه فوق ما أبـــدي

بالقرب لي سكن تأوبنـــــي من ذكره سهد على سهـــد

فرخان قد تركا بمضيعـــــةٍ زويت عن الرفداء والـــرفد

يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:23   المشاركة رقم: 8 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ومنهم صاحبنا الخطيب أبو عبد الله بن أحمد بن مرزوق من أهل تلمسان، كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعُباد، ومتوارثين خدمة تربته، من لدن جدهم خادمه في حياته. وكان جده الخامس أو السادس، واسمه أبو بكر بن مرزوق، معروفاً بالولاية فيهم. ولما هلك دفنه يغمراسن بن زيان، سلطان بتلمسان من بني عبد الواد، ففي التربة بقصره، ليدفن بإزائه، متى قدّر بوفاته. ونشأ محمد هذا بتلمسان. ومولده فيما أخبرني سنة عشر وسبعمائة وارتحل مع أبيه إلى المشرق. وجاور أبوه بالحرمين الشريفين، ورجع هو إلى القاهرة؛ فأقام بها. وقرأ على برهان الدين الصفاقسي المالكي وأخيه. وبرع في الطلب والرواية، وكان يجيد الخطّين؛ ثم رجع سنة خمس وثلاثين وسبعمائة إلى المغرب، ولقي السلطان أبا الحسن بمكانه من حصار تلمسان، وقد شيد بالعباد مسجداً عظيماً؛ وكان عمه محمد بن مرزوق خطيباً به على عادتهم بالعبّاد. وتوفي، فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمّه. وسمعه يخطب على المنبر، ويشيد بذكره، والثناء عليه، فحلا بعينه، واختصه، وقرّبه، وهو مع ذلك يلازم مجلس الشيخين ابني الإمام، ويأخذ نفسه بلقاء الفضلاء، والأكابر، والأخذ عنهم؛ والسلطان في كل يوم يزيده رتبة؛ وحضر معه واقعة طريف التي كان فيها تمحيص المسلمين؛ فكان يستعمله في السفارة عنه إلى صاحب الأندلس. ثم سفر عنه، بعد أن ملك أفريقية، إلى ابن أدفونش ملك قشتاله في تقرير الصلح، واستنقاذ ابنه أبي عمر تاشفين. كان أسر يوم طريف، فغاب في تلك السفارة عن واقعة القيروان. ورجع بأبي تاشفين مع طائفة من زعماء النصرانيّة، جاءوا في السفارة عن ملكهم، ولقيهم خبر واقعة القيروان، بقسنطينة، من بلاد أفريقية، وبها عامل السلطان وحاميته، فثار أهل قسنطينة بهم جميعأ، ونهبوهم، وخطبوا للفضل ابن السلطان أبي يحيى، وراجعوا دعوة الموحّدين، واستدعوه فجاء إليهم، وملك البلد. وانطلق ابن مرزوق عائداً إلى المغرب مع جماعة من الأعيان، والعمّال والسفراء عن الملوك. ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن وأثيرته. كانت راحلة إليه، فأدركها الخبر بقسنطينة. وحضرت الهيعة. واتصل بها الخبر بتوثب ابنها أبي عنان على ملك أبيه، واستيلائه على فاس؛ فرجعت إليه، وابن مرزوق في خدمتها، ثم طلب اللحاق بتلمسان؛ فسرّحوه إليها، وأقام بالعبّاد مكان سلفه. وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان، قد بايع له قبيله بنو عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس، وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة، كما مرّ في أخبارهم. وانصرفوا إلى تلمسان، فوجدوا بها أبا سعيد عثمان بن جرّار، من بيت ملوكهم، قد استعمله عليها السلطان أبو عنان، عند انتقاضه على أبيه، ومسيره إلى فاس؛ وانتقض ابن جرّار من بعده، ودعا لنفسه، وصمد إليه عثمان بن عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما، فملكوا تلمسان من يد ابن جرّار، وحبسوه ثم قتلوه؛ واستبدّ أبو سعيد بملك تلمسان، وأخوه أبو ثابت يردفه. وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس، وغرق أسطوله، ونجا هو إلى الجزائر، فاحتل بها، وأخذ في الحشد إلى تلمسان؛ فرأى أبو سعيد أن يكف غربه عنهم، بمواصلة تقع بينهما، واختار لذلك الخطيب بن مرزوى؛ فاستدعاه وأسر إليه بما يلقيه عنه للسلطان أبي الحسن، وذهب لذلك على طريق الصحراء. واطلّ أبو ثابت وقومهم على الخبر، فنكروه على أبي سعيد، وعاتبوه فأنكر، فبعثوا صغير ابن عامر في اعتراض ابن مرزوق، فجاء به، وحبسوه أياماً. ثم أجازوه البحر إلى الأندلس؛ فنزل على السلطان أبي الحجّاج بغرناطة، وله إليه وسيلة منذ اجتماعه به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف؛ فرعى له أبو الحجّاج ذمة تلك المعرفة، وأدناه، واستعمله في الخطابة بجامعه بالحمراء؛ فلم يزل خطيبه إلى إن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه، واستيلائه على تلمسان وأعمالها؛ فقدم عليه ورعى له وسائله، ونظمه في أكابر أهل مجلسه. وكان يقرأ الكتاب بين يديه في مجلسه العليّ، ويدرّس في نوبته مع من يدرس في مجلسه منهم. ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين؛ ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى، فردت تلك الخطبة واختفت بتونس. ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها، فسخطه لذلك، ورجع السلطان من قسنطينة؛ فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته. واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهدية، فجاء، وملك البلد. وركب القوم الاسطول، ونزلوا بمراسي تلمسان. وأوعز السلطان أبو عنان، باعتقال ابن مرزوق، وخرج لذلك يحيى بن شعيب من مقدمي الجنادرة ببابه، فلقيه بتاسالة، فقيده هنالك. وجاء به، فأحضره السلطان وقرعه، ثم حبسه مدة، وأطلقه بين يدي مهلكه؛ واضطربت الدولة بعد موت السلطان أبي عنان، وبايع بنو مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق. وحاصروا البلد الجديد، وبها ابنه السعيد، ووزيره المستبد عليه، الحسن بن عمر؛ وكان السلطان أبو سالم بالأندلس، غرّبه إليها أخوه السلطان أبو عنان، مع بني عمّهم، ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن، وحصولهم جميعاً في قبضته. فلما توفي، أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب، فمنعه رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس، مستبداً على ابن السلطان أبي الحجّاج، فلحق هو بإشبيلية، من دار الحرب، ونزل على بطره، ملكهم يومئذ، فهيأ له السفين، وأجازه إلى العدوة، فنزل بجبل الصفيحة، من بلاد غمارة، وقام بدعوته بنو مثنى، وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم، حتى تم أمره، واستولى على ملكه؛ في خبر طويل، ذكرناه في أخبار دولتهم. وكان ابن مرزوق يداخله، وهو بالأندلس، ويستخدم له، ويفاوضه في أموره، وربما كان يكاتبه، وهو بجبل الصفيحة، ويداخل زعماء قومه، في الأخذ بدعوته. فلما ملك السلطان أبو سالم، رعى له تلك الوسائل أجمع، ورفعه على الناس، وألقى عليه محبته، وجعل زمام الأمور بيده، فوطىء الناس عقبه، وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفت الوجوه إليه، فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة، ونقموه على السلطان، وتربصوا به، حتى توثب عمر ابن عبد الله بالبلد الجديد، وافترق الناس عن السلطان. وقتله عمر بن عبد الله آخر إثنتين وستين وسبعمائة، وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الذي نصبه؛ محمد بن عبد الرحمن بن أبي الحسن، فامتحنه، واستصفاه، ثم أطلقه، بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله، فمنعه منهم. ولحق بتونس، سنة أربع وستين، ونزل على السلطان أبي إسحق، وصاحب دولته المستبد عليه، أبي محمد بن تافراكين، فأكرموا نزله، وولوه الخطابة، بجامع الموحدين بتونس. وأقام بها، إلى أن هلك السلطان أبو إسحق سنة سبعين وسبعمائة، وولي ابنه خالد. وزحف السلطان أبو العباس، حافد السلطان أبي يحيى، مقره بقسنطينة إلى تونس، فملكها، وقتل خالداً، سنة إثنتين وسبعين وسبعمائة.

وكان ابن مرزوق يستريب منه، لما كان يميل، وهو بفاس، مع ابن عمّه أبى عبد الله محمد، صاحب بجاية، ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه؛ فعزله السلطان أبو العبّاس عن الخطبة بتونس؛ فوجم لها، وأجمع الرحلة إلى المشرق. وسرّحه السلطان، فركب السفن، ونزل بالإسكندرية، ثم ارتحل إلى القاهرة، ولقي أهل العلم، وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه عندهم، وأوصلوه إلى السلطان، وهو يومئذ الأشرف. فكان يحضر يومئذ مجلسه، وولاه الوظائف العلمية، وكان ينتجع منها معاشه. وكان الذي وصل حبله بالسلطان أستاذ داره محمد بن أقبغا آص، لقيه أول قدومه، فحلا بعينه، واستظرف جملته، فسعى له، وأنجح سعايته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة، موقّر الرتبة، معروف الفضيلة، مرشحا لقضاء المالكية، ملازما للتدريس في وظائفه، إلى إن هلك سنة إحدى وثمانين.هذا ذكر من حضرنا من جملة السلطان أبي الحسن، من أشياخنا، وأصحابنا؛ وليس موضوع الكتاب الإطالة فلنقتصر على هذا القدر، ونرجع إلى ما كنا فيه من أخبار المؤلف.
ولاية العلامة بتونس، ثم الرحلة بعدها إلي المغرب، والكتابة على السلطان أبي عنان:
ولم أزل منذ نشأت، وناهزت مكبّاً على تحصيل العلم، حريصاً على اقتناء الفضائل، متنقّلاً بين دروس العلم وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب بالأعيان، والصدور، وجميع المشيخة، وهلك أبواي، رحمهما الله. ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الآيُلّيالأُيُلّي؛ وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين، إلى أن شدوت بعض الشىء؛ واستدعاه السلطان أبو عنان، فارتحل إليه، واستدعاني أبو محمد بن تافراكين، المستبد على الدولة يومئذ بتونس، إلى كتابة العلامة عن سلطانه أبي إسحق. مذ نهض إليهم من قسنطينة صاحبها الأمير أبو زيد، حافد السلطان أبي يحيى في عساكره، ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك، فأخرج ابن تافراكين سلطانه أبا إسحق مع العرب، أولاد أبي الليل، وبث العطاء في عسكره، وعمر له المراتب والوظائف. وتعلل عليه صاحب العلامة أبو عبد الله بن عمر بالإستزادة من العطاء؛ فعزله، وأدالني منه؛ فكتبت العلامة عن لالسلطان، وهي وضع "الحمد لله والشكر لله "، بالقلم الغليظ، مما بين البسملة وما بعدها، من مخاطبة أو مرسوم وخرجت معهم أول سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. وقد كنت منطوياً على الرحلة من أفريقية، لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي، وعطلاتني عن طلب العلم. فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب، وانحسر تيّارهم عن أفريقية، وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ، فاعتزمت على اللحاق بهم. وصدّني عن ذلك أخى وكبيري محمد، رحمه الله، فلما دُعيت إلى هذه الوظيفة، سارعت إلى الإجابة، لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب، وكان كذلك، فإنّا لمّا خرجنا من تونس، نزلنا بلاد هوّارة، وزحفت العساكر بعضها إلى بعض؛ بفحص مرما جنَّة، وانهزم صفُّنا، ونجوت أنا إلى أبَّة؛ فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوشستناتني، من كبراء المرابطين. ثم تحوّلت إلى سبتة، ونزلت بها على محمد بن عبدون، صاحبها؛ فأقمت عنده ليالي حتى هيّأ لي الطريق، وبذرق لي مع رفيق من المغعرب، وسافرت إلى قفصة، وأقمت بها أياماً أترصد الطريق، حتى قدم علينا بها الفقيه محمد بن الرئيس منصور بن مزني، وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب. وكان هو بتونس، فلمّا حاصرها الأمير أبو زيد، خرج إليه، فكان معه. ثم بلغهم الخبر بأنّ السلطان أبا عنان ملك المغرب، نهض إلى تلمسان؛ فملكها، وقتل سلطانها، عثمان بن عبد الرحمن، وأخاه أبا ثابت، وأنه انتهى إلى المدية، وملك بجاية من يد صاحبها، الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى، راسله عندما أطلّ على بلده؛ فسار إليه، ونزل له عنها، وصار في جملته، وولى أبو عنان على بجاية عمر بن علي شيخ بني وطّاس، من بني الوزير شيوخهم. فلمّا بلغ هذا الخبر، أجفل الأمير عبد الرحمن من مكانه على حصار تونس، ومرّ بقفصة، فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهباً إلى الزاب؛ فرافقته إلى بسكرة، ودخلت إلى أخيه هنالك. ونزل هو ببعض قرى الزاب تحت جراية أخيه، إلى أن انصرم الشتاء.
وكان أبو عنان لما ملك بجاية، ولى عليها عمر بن علي بن الوزير، من شيوخ بني وطّاس، وجاء فارح، مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده، فداخل بعض السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي فقتله في مجلسه. ووثب هو على البلد، وبعث إلى الأمير أبي زيد، يستدعيه من قسنطينة؛ فتمشّت رجالات البلد بينهم بينهم خشية من سطوة السلطان.
ثم ثاروا بفارح فقتلوه، وأعادوا دعوة السلطان كما كانت. وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس، يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن، ي خ بني ونكاسن من بني مرين، فملكوه قيادهم. وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم؛ فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو، وأكثف له الجند، وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته. وارتَحَلْتُ من بسكرة، وافداً على السلطان أبي عنان بتلمسان، فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء، وتلقّاني من الكرامة بما لم أحتسبه، وردّني معه إلى بجاية، فشهدت الفتح. وتسايلت وفود أفريقية إليه فلمّا رجع السلطان، وفدت معهم، فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه، إذ كنت شاباً لم يطّر شاربي. ثم انصرفت مع الوفود، ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية؛ فأقمت عنده، حتى انصرم الشتاء من أواخر أربع وخمسين وسبعمائة؛ وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس، وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه، وجرى ذكري عنده، وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني، ووصفوني له؛ فكتب إلى الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه، سنة خمس وخمسين وسبعمائة، ونظمني في أهل مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه؛ ثم استعملني في كتابته، والتوقيع بين يديه، على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي. وعكفت على النظر، والقراءة، ولقاء المشيخة، من أهل المغرب، ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة؛ وحصلت من الإفادة منهم على البغية. وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفّار، من أهل مراكش إمام القراءآت لوقته؛ أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب، وكبيرهم شيخ المحدثين الرحّالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، سيّد أهل المغرب، وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن توفي. ومنهم: قاضي الجماعة بفاس، أبو عبد الله محمد المغربي، صاحبنا، من أهل تلمسان. أخذ العلم بها عن أبي عبد الله السلاوي، ورد عليها من المغرب خلوا من المعارف. ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم، فعكف في بيته على مدارسة القرآن فحفظه، وقرأه بالسبع. ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية، فحفظه ثم على مختصر ابن الحاجب في الفقه، والأصول، فحفظهما، ثم لزم الفقيه عمران المشدّ الي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين وتفقه عليه، وبرز في العلوم، إلى حيث لم تلحق غايته. وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسة بتلمسان، فقدّمه للتدريس بها، يضاهي به أولاد الإمام. وتفقّه عليه بتلمسان جماعة، كان من أوفرهم سهماً في العلوم أبو عبد الله المغربي هذا.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:23   المشاركة رقم: 9 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الابلي إلى تلمسان، عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها، وكان أبو عبد الله السلوي قد قتل يوم فتح تلمسان، قتله بعض أشياع السلطان، لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي على بسجلماسة، قبل انتحاله العلم، وكان السلطان توعده عليه، فقتل بباب المدرسة، فلزم أبو عبد الله المغربي بعده مجلس شيخنا الايليئ، ومجالس إبني الإمام، واستبحر في العلوم وتفنّن. ولما انتقض السلطان أبو عنان، سنة تسع وأربعين وخلع أباه، ندبه إلى كتب البيعة، فكتبها وقرأها على الناس في يوم مشهود. وارتحل مع السلطان إلى فاس، فلمّا ملكها، عزل قاضيها الشيخ المعمّر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولاّه مكانه، فلم يزل قاضياً بها، إلى أن أسخطه لبعض النزعات الملوكيّة، فعزله وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة، ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس، فامتنع من الرجوع. وقام السلطان لها في ركابه، ونكر على صاحب الأندلس ابن الأحمر تمسّكه به، وبعث إليه فيه يستقدمه، فلاذ منه ابن الأحمر بالشفاعة فيه، واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان، وأوفده مع الجماعة من شيوخ العلم بغرناطة، ومنهم: القاضيان بغرناطة، شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي، شيخ الدنيا جلالة وعلماً ووقاراً، ورياسةً، وإمام اللسان حوكا ونقداً، في نظمه ونثره. وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج البلقيني من أهل المرية، شيخ المحدّثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس، وسيّد أهل العلم بإطلاق، والمتفنن في أساليب المعارف، وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم؛ فوفدوا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوّقه للقائهما؛ فقبلت الشفاعة، وأنجحت الوسيلة.

حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما، سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وكان يوماً مشهوداً. واستقرّ القاضي المغربي في مكانه، بباب السلطان، عُطلاً من الولاية والجراية. وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان، بسبب خصومة وقعت بينه وبين أقاربه امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي، فتقدّم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه، أن يسحبه إلى مجلس القاضي حتى ينفذ فيه حكمه، فكان الناس يعدّونها محنة. ثم ولاّه السلطان، بعد ذلك، قضاء العساكر في دولته، عندما ارتحل إلى قسنطينة. فلما افتتحها، وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين وسبعمائة، اعتلّ القاضي المغربي في طريقه، وهلك عند قدومه بفاس.
ومنهم صاحبنا الإمام العالم الفذ، فارس المعقول والمنقول، صاحب الفروع والأصول، أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني، ويعرف بالعلوي، نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان، تسمّى العلوين، فكان أهل بلده لا يدافعون في نسبهم، وربّما بغمز فيه بعض الفجرة، ممن يروعه دينه، ولا معرفته بالأنساب، ببعض من اللغو، لا يلتفت إليه. نشأ هذا الرجل بتلمسان، وأخذ العلم عن مشيختها، واختص بأولاد الإمام، وتفقّه عليهما في الفقه، والأصول والكلام؛ ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الآبلي. وتضلّع من معارفه؛ فاستبحر، وتفجّرت ينابيع العلوم من مداركه؛ ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه، سنة أربعين، ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عبد السلام، وحضر مجلسه، وأفاد منه، واستعظم رتبته في العلم. وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله، ويعرف حقه، حتى لقد زعموا أنه كان يخلو به في بيته، فيقرأ عليه فصل التصوّف من كتاب الإشارات لابن سينا، بما كان هو أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الآبلي؛ وقرأ عليه كثيراً من كتاب الشفاء لابن سينا، ومن تلاخيص كتب أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهندسة، والفرائض، علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة. وكانت له في كتب الخلافيات يد طولى، وقدم عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله، وأوجب حقه وانقلب إلى تلمسان؛ وانتصب لتدريس العلم وبثه، فملأ المغرب معارف وتلاميذ، إلى اضطراب المغرب، بعد واقعة القيروان؛ ثم هلك السلطان أبو الحسن، وزحف ابنه أبو عنان، إلى تلمسان؛ فملكها، سنة ثلاث وخمسين؛ فاستخلص الشريف أبا عبد الله، واختاره لمجلسه العلمي، مع من اختار من المشيخة. ورحل به إلى فاس، فتبرم الى شريف من الاغتراب، وردّد الشكوى فأحفظ السلطان بذلك، وارتاب به. ثم بلغه أثناء ذلك أنّ عثمان بن عبد الرحمن، سلطان تلمسان، أوصاه على ولده، وأودع له مالاً عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، وأن الشريف مطلع على ذلك فانتزع الوديعة، وسخط الشريف بذلك ونكبه، وأقام في اعتقاله أشهراً، ثم أطلقه أول ست وخمسين وسبعمائة وأقصاه، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه، إلى أن هلك السلطان، آخر تسع وخمسين وسبعمائة.
وملك أبو حمّو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، واستدعى الشريف من فاس، فسرحه القائم بالأمر يومئذ، الوزير عمر بن عبد الله فانطلق إلى تلمساني. وتلقاه أبو حمّو براحتيه، وأصهر له في ابنته، فزؤجها إياه، وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه. وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين. وأخبرني رحمه الله، إن مولده سنة عشر وسبعمائة .
ومنهم صاحبنا الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحى البرجي من برجة الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان، وصاحب الإنشاء والسر في دولته، وكان مختصًّاً به، وأثيراً لديه. وأصله من برجة الأندلس، نشأ بها، واجتهد في العلم والتحصيل، وقرأ، وسمع، وتفقه على مشيخة الأندلس، واستبحر في الأدب، وبرز في النظم والنثر. وكان لا يجارى في كرم الطباع، وحسن المعاشرة، ولين الجانب، وبذل البشر والمعروف.
وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة، وبها الأمير أبو زكرياء ابن السلطان أبي يحيى، منفرداً بملكها، على حين أقفر من رسم الكتابة والبلاغة، فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه، وإيثاره بخطة الإنشاء، والكتاب عن السلطان، إلى أن هلك الأمير أبو زكريا، ونصب ابنه محمّد مكانه، فكتب عنه على رسمه ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو الحسن إلى أفريقية، واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمداً بأهله وحاشيته إلى تلمسان، كما تقدّم في أخباره. فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها، واتصل خبره بأبي عنان، ابن السلطان أبي الحسن، وهو يومئذ أميرها. ولقيه، فوقع من قلبه بمكان، إلى أن كانت واقعة القيروان.
وخلع أبو عنان، واستبدّ بالأمر، فاستكتبه وحمله إلى المغرب، ولم يسم به إلى العلامة، لأنه آثر بها محمد بن أبي عمر بما كان أبوه يعلّمه القرآن والعلم. وربّي محمد بداره، فولاه العلامة، والبرجي مرادف له في رياسته، إلى أن انقرضوا جميعاً. وهلك السلطان أبو عنان، واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدّمناه؛ فنقل البرجي من الكتابة، واستعمله في قضاء العساكر، فلم يزل على القضاء، إلى أن هلك سنة ست وثمانين وسبعمائة. وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر وسبعمائة.
ومنهم: شيخنا المعمّر الرحالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق شيخ وقته جلالة وتربية وعلماً وخبرةً بأهل بلده، وعظمة فيهم. نشأ بفاس، وأخذ عن مشيختها. وارتحل إلى تونس فلقي القاضي أبا إسحق بن عبد الرفيع، والقاضي أبا عبد الله النفزاوي، وأهل طبقتهما. وأخذ عنهم، وتفقّه عليهم، ورجع إلى المغرب. ولازم سنن الأكابر والمشايخ، إلى أن ولاّه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس فأقام على ذلك، إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان، بعد واقعة القيروان، وخلعه أباه، فعزله بالفقيه أبي عبد الله المغربى، وأقام عطلا في بيته.
ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه، والإفادة منهم، واستدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق فكان يأخذ عنه الحديث، ويقرأ عليه القرآن برواياته، في مجلس خاص إلى أن هلك، رحمه الله، بين يدي مهلك السلطان أبي عنان. إلى آخرين، وآخرين، من أهل المغرب والأندلس، كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامّة.
حدوث النكبة من السلطان أبي عنان:
كان اتصالي بالسلطان أبي عنان، آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة، وقربني وأدناني، واستعملني في كتابته، حتى تكدر جوي عنده، بعد أن كان لا يعبر عن صفائه؛ ثم اعتلّ السلطان، آخر سبع وخمسين وسبعمائة، وكان قد حصلت بيني و بين الأمير محمد صاحب بجاية من الموحّدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم. وغفلت عن التحفّظ في مثل ذلك، من غَيْرة السلطان، فما هو إلا أن شغل بوجعه، حتى نمى إليه بعض الغواة، أنّ صاحب بجاية، معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وبها يومئذ وزيره الكبير، عبد الله بن عليّ؛ فانبعث السلطان لذلك، وبادر بالقبض عليه. وكان فيما نمي إليه، أني داخلته في ذلك؛ فقبض عليّ، وامتحنني وحبسني، وذلك في ثامن عشر صفر، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ثم أطلق الأمير محمداً، وما زلت أنا في اعتقاله، إلى أن هلك. وخاطبتُه بين يدي مَهْلكه، مستعطفأ بقصيدة أولها:
على أي حال لليالي أعاتـــــب وأي صروف للزمان أغالب

كفى حزناً إني على القرب نــازحٌ وأني على دعوى شهُودي غائبُ

وأني على حكم الحوادث نـــازل تسالمني طوراً وطورأ تحـارب
ومنها في التشوق:
سلوتهم إلا ادكار معاهــــــد لها في الليالي الغابرات غرائبُ

وإنّ نسيم الريح منهم يشوقنـــي إليهم وتصبيني البُروق اللواعبُ
وهي طويلة، نحو مائتين بيتاً، ذهبت عن حفظي، فكان لها منه موّقع، وهَشَّ لها. وكان بتلمسان فوعَد بالإفراج عني عند حلوله بفاس، ولخمس ليال من حلوله طرقَه الوجع. وهلك لخمسَ عشرة ليلة، في رابع وعشرين ذي الحجّة، خاتم تسع وخمسين وسبعمائة. وبادر القائم بالدولة، الوزير الحسن بن عُمَر إلى إطلاق جماعة من المعتقلين، كنت فيهم، فخلع عليَّ، وحملني، وأعادني إلى ما كنتُ عليه. وطلبتُ منه الإنصراف إلى بلدي، فأبىَ عليَّ، وعاملني بوجوه كرامته، ومذاهب إحسانه، إلى أن اضطرب أمُره، وانتقض عليه بنو مرين، وكان ما قدَّمناه في أخبارهم.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:23   المشاركة رقم: 10 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والانشاء:
ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلُس لطلب مُلكه، ونزَل بجبل الصَّفيحة من بلاد غُماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبثَّ دعوته سراً، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبَّة والائتلاف؛ فحملتُ الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عُمر، وسلطانه السَّعيد ابن أبي عِنَان، بالبلد الجديد. فقصدني ابنُ مرزوق في ذلك، وأوصل إليَّ كتاب السلطان أبي سالم. بالحضّ على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى عليَّ حمله؛ فنهَضت به، وتقدّمتُ إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا، وبعث ابنُ مرزوق إلى الحسن بن عُمَر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار؛ فبادر إلى الإجابة. واتفق رأي بَني مرين على الانفضاض عن منصور بن سُليمان، والدخول إلى البلد الجديد؛ فلما تمّ عقدُهم على ذلك نزعتُ إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبدّ بعد ذلك بمُلك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النُّزوع مبدأ حظّه، وفاتحة رياسته، بسِعايتي له عند السلطان. فلما قدمِتُ على السلطان بالصَّفِيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خَلْع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثثته. فارتحل، ولقِيَنا البشيرُ بإجفال منصور بن سليمان، وفراره إلى نواح بادِس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عُمر دَعوةَ السلطان أبي سالم. ثم لقِيَتنا، بالقصر الكبير، قبائلُ السلطان، وعساكرُه، على راياتهم، ووزيرُ منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رَحُّو بن مَاسَايْ؛ فتلقّاه السلطان بالكرامة كما يجب له، واستوزره نائباً للحسن بن يوسف بن عليّ بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقِيَه بسبتة، وقد غرّ به منصور بن سليمان إلى الأندلس، فاستوزره واستكفاه.
ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر، صَعِد إلى فاس. ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها؛ فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعى إليه، منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة؛ فرعى لي السابقة، واستعملني في كتابة سرّه، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل، أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء المعاني منها على أكثر الناس، بخلاف غير المرسل، فانفردت به يومئذ، وكان مستغرباً عند من هم أهل الصناعة.
ثم أخذت نفسي بالشعر، وانثال عليّ منه بحور، توسطت بين الإجادة والقصور، وكان مما أنشدته إيّاه، ليلة المولد النبوي من سنة اثنتين وستين وسبعمائة:

أسرفن في هجري وفي تعذيبـــــي وأطلن موقف عبرتي ونحيبي

وأبين يوم البين وقفة ساعـــــــة لوداع مشغوف الفؤاد كئيب

لله عهد الظاعنين وغـــــــادروا قلبي رهين صبابة ووجيب

غربت ركائبهم ودمعي سافــــــح فشرقت بعدهم بماء غروب

يا ناقعا بالعتب غلة شوقهـــــــم رحماك في عذلي وفي تأنيبي

يستعذب الصب الملام وإننــــــي ماء الملام لدي غير شروب

ما هاجني طرب ولا اعتاد الجــــوى لو لا تذكر منزل وحبيب

أصبوا إلى أطلالٍ كانت مطلعـــــاً للبدر منهم أو كناس ربيب

عبثت بها أيدي البلى وتـــــرددت في عطفها للدهر أي خطوب

تبلى معاهدها وإن عهودهـــــــا ليجدها وصفي وحسن نسيبي

واذا الديار تعرضت لمتيــــــــم هزته ذكراها إلى التشبيب

إيه عن الصبر الجميل فإنـــــــه ألوى بدين فؤادي المنهوب

لم أنسها والدهر يثني صرفــــــه ويغض طرفي حاسد ورقيب

والدار مونقة محاسنها بمـــــــا لبست من الأيام كلى قشيب

يا سائق الأظعان يعتسف الفـــــلا ويواصل الأسآد بالتأويب

متهافتاً عن رحل كل مذلـــــــل نشوان من أين ومس لغوب

تتجاذب النفحات فضل ردائــــــه في ملتقاها من صبا وجنوب

إن هام من ظمإ الصبابة ضحبـــــه نهلوا بمورد دمعه المسكوب

أو تعترض مسراهم سدف الدجــــى صدعوا الدجى بغرامه المشبوب

في كل شعب منية من دونهــــــا هجر الأماني أو لقاء شعوب

هلا عطفت صدورهن إلى التـــــي فيها لبانة أعين وقلوب

فتؤم من أكناف يثرب مأمنـــــــاً يكفيك ما تخشاه من تثريب

حيث النبوة آيها مجلـــــــــوة تتلو من الآثار كل غريب

سر عجيب لم يحجبه الثـــــــرى ما كان سر الله بالمحجوب

ومنها بعد تعديد معجزاته صلى الله عليه وسلم، والإطناب في مدحه:

إني دعوتك واثقاً بإجابتــــــي يا خير مدعو وخير مجيب

قصرت في مدحي فإن يك طيبـــاً فبما لذكرك من أريج الطيب

ماذا عسى يبغي المطيل وقد حــوى في مدحك القرآن كل مطيب

يا هل تبلغني الليالـــــــي زورةً تدني إليّ الفوز بالمرغوب

أمحو خطيئاتي بإخلاصي بهــــــا وأحط أوزاري وإصر ذنوبي

في فتية هجروا المنى وتعـــــودوا إنضاء كل نجيبة ونجيب

يطوي صحائف ليلهم نوق الفـــــلا ما شئت من خببٍ ومن تقريب

إن رنم الحادي بذكــــــرك رددوا أنفاس مشتاق إليك طروب

أو غرد الركب الخلي بطيبــــــة حنوا لمغناها حنين النيب

ورثوا اعتساف البيد عن آبائهـــــم إرث الخلافة في بني يعقوب

الظاعنون الخيل وهي عوابـــــس يغشى مثار النقع كل سبيب

والواهبين المقربات صوافنــــــاً من كل خوار العنان لعوب

والمانعين الجار حتى عرضــــــه في منتددى الاعداء غير معيب

تخشى بوادرهم ويرجى حلمهـــــم والعز شيمة مرتجىً ومهيب

ومنها في ذكر إجازته البحر، واستيلائه على ملكه:

سائل به طامي العباب وقد ســــرى تزجيه ريح العزم ذات هبوب

تهديه سهب أسنة وعزائــــــــم يصدعن ليلى الحادث المرهوب

حتى انجلت ظلم الضلال بسعيـــــه وسطا الهدى بفريقها المغلوب

يابن الألى شادوا الخلافة بالتقـــــى واستأثروك بتاجها المغصوب

جمعوا الحفظ الدين أفي مناقــــــبٍ كرموا بها في مشهد ومغيب

لله مجدك طارفاً أو تالـــــــــداً فلقد شهدنا منهن كل عجيب

كم رهبة أو رغبة بك والعلـــــــى تقتاد بالترغيب والترهيب

لا زلت مسروراً بأشرف دولــــــة يبدو الهدى من أفقها المرقوب

تحمي المعالي غاديا أو رائحــــــاً وحديد سعدك ضامن المطلوب


ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:

قدحت يد الأشواق من زنــــــدي وهفت بقلبي زفرة الوجد

ونبذت سلواني على ثقـــــــــة بالقرب فاستبدلت بالبعد

ولرب وصل كنت آملـــــــــه فاعتضت منه بمؤلمٍ الصد

لا عهد عند الصبر اطلبــــــــه إن الغرام أضاع من عهدي

يلحى العدول فما أعنفـــــــــه وأقول ضل فأبتغي رشدي|

وأعارض النفحات أسألهــــــــا برد الجوى فتزيد في الوقد

يهدى الغرام إلى مسالكهــــــــا لتعللي بضعيف ما تهدي

يا سائق الأظعان معتسفــــــــاً طي الفلاة لطية الوجد\

أرح الركاب ففي الصبا نبـــــــأً يغني عن المستنة الجرد

وسل الربوع برامة خبــــــــراً عن ساكني نجد وعن نجد

مالي تلام على الهوى خلقـــــــي وهي التي تأبى سوى الحمد

لأبيت إلا الرشد مذ وضحــــــت بالمستعين معالم الرشد

نعم الخليفة في هدى وتقـــــــى وبناء عز شامخ الطود

نجل السراة الغر شأنهـــــــــم كسب العلى بمواهب الوجد

ومنها في ذكر خلوصي إليه، وما ارتكبته فيه:

لله مني إذ تأوبنـــــــــي ذكراه وهو بشاهق فرد

شهم يفل بواتراً قضبـــــــاً وجموع أقيالٍ أولي أيد

أوريت زند العزم في طلبــــي وقضيت حق المجد من قصدي

ووردت عن ظمأ مناهلــــــه فرويت من عز ومن رفد

هي جنة المأوى لمن كلفـــــت آماله بمطالب المجد

لو لم أغل بورد كوثرهــــــا ما قلت هذي جنة الخلد

من مبلغ قومي ودونهـــــــم قذف النوى وتنوفة البعد

أني أنفت على رجائهـــــــم وملكت عز جميعهم وحدي

ورقيمة الأعطاف حاليـــــــة موشية بوشائح البرد

وحشية الأنساب ما أنســــــت في موحش البيداء بالقود

تسمو بجيد بالغ صعـــــــداً شرف الصروح بغير ما جهد

طالت رءوس الشامخات بــــه ولربما قصرت عن الوهد

قطعت إليك تنائفاً وصلـــــت إسآدها بالنص والوخد

تخدي على استصعابها ذلــــلاً وتبيت طوع القن والقد

بسعودك اللأتي ضمن لنـــــا طول الحياة بعيشه رغد

جاءتك في وفد الأحابــــش لا يرجون غيرك مكرم الوفد

وافوك أنضاء تقلبهـــــــم أندي السرى بالغور والنجد

كالطيف يستقري مضاجعــــه أو كالحسام يسل من غمد

يثنون بالحسنى التي سبقــــت من غير إنكار ولا جحد

ويرون لحظك من ونادتهــــم نخراً على الاتراك والهند

يامستعيناً جل في شـــــرف عن رتبة المنصور والمهدي

جازاك ربك عن خليقتـــــه خير الجزاء فنعم ما يسدي

وبقيت للدنيا وساكنهــــــا في عزةٍ أبداً وفي سعد

وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيراً، لم يحضرني الآن شيء منه.
ثم غلب ابن مرزوق على هواه، وانفرد بمخالطته، وكبح الشكائم عن قربه؛ فانقبضت، وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره، وإنشاء مخاطباته ومراسمه.
ثم ولأني آخر الدولة "خطة المظالم "، فوفيتها حقها، ودفعت للكثير مما أرجو وثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذاً في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة، لى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه. وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار المفك؛ فصار ليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه، على من ذكرناه في أخبارهم.
ولما مقام الوزير ضر بالأمر، أقرني على ما كنت عليه، ووفر إقطاعي، وزاد في جرايتي؛ وكنت أسمو، بطغيان الشباب، إلى أرفع مما كنت فيه، وأدل في ذلك بسابقة مودة معه، منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبينه، وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث آثافينا، ومصقلة فكاهتنا. واشتدت غيرة سلطان لذلك كما مرّ، وسطا بنا، وتغافل عن غفر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية؛ ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حي من القصور بي عما أسمو إليه، إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان، مغاضباً له؛ فتنكل لي، وأقطعني جانباً من الأعراض؛ فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان، والمغرب الأوسط، فمنعني من ذلك، أن يغتبط أبو حمّو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده. ولج في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة؛ واستجرت في ذلك برديفه وصديقا، الوزير مسعود بن رحو بن ماساي، ودخلت عليه يوم الفطر، سنة ثلاث وستين وسبعمائة. فأنشدته:

هنيئاً لصوم لاعداه قبـــــول وبشرى بعيد أنت فيه منيل

وهنئتها من عزة وسعـــــادة تتابع أعوام بها وفصول

سقى الله دهراً أنص إنسان عينه ولا مس ربعاً في حمال محول

فعصرك ما بين الليالي مواسـم لها غرر وضاحة وحجول

وجانبك المأمول للجود مشـرع يحوم عليه عالم وجهول

عساك، وإن ضن الزمان منولي فرسم الأماني من سواك محيل

أجرني فليس الدهر لي بمسالـم إذا لم يكن لي في ذراك مقيل

وأوليتني الحسنى بما أنا آمــل فمثلك يؤلى راجياً وينيل

ووالله ما رمت الترحل عن قلى ولا سخطةً للعيش فهو جزيل

ولا رغبةً عن هذه الدار إنهــا لظل على هذا الأنام ظليل

ولكن نأى بالشعب عني حبائـب شجاهن خطب للفراق طويل

يهيج بهن الوجد أني نـــازح وأن فؤادي حيث هن حلول|

عزيزعليهن الذي قد لقيتـــه وأن اغترابي في البلاد يطول

توارت بأنبائي البقاع كأننـــي تخطفت أو غالت ركابي غول

ذكرتك يا مغنى الأحبة والهـوى فطارت لقلبي أنة وعويل

وحببت عن سوق رباك كأنمـــــــا يمثل لي نؤي بها وطلول

أحبابنا والعهد بيني وبينكـــــــــم كريم وما عهد الكريم يحول

إذا أنا لم ترض الحمّول مدامعــــــي فلا قربتني للقاء حمّول

إلام مقامي حيث لم ترد العـــــــلا مرادي ولم تعط القياد ذلول

أجاذب فضل العمر يوماً وليلـــــةً وساء صباح بينها وأصيل

ويذهب بي ما بين يأس ومطمــــع زمان بنيل المعلوات بخيل

تعللني عنه أمان خــــــــوادع ويؤنسني ليان منه مطول

أما لليالي لا ترد خطوبهـــــــا ففي كبدي من وقعهن فلول

يروعني من صرفها كل حــــادث تكاد له صم البلاد تزول

أداري على الرغم العدى لا لريبـــة يصانع واشٍ خوفها وعذول

وأغدو بأشجاني عليلاً كأنمــــــا تجود بنفسي زفرة وغليل

وإنى وإن أصبحت في دار غربـــة تحيل الليالي سلوتي وتديل

وصدتني الأيام عن خير منـــــزل عهدت به أن لا يضام نزيل

لأعلم أن الخير والشر ينتهــــــي مداه وأن الله سوف يديل

وأني عزيز بابن ماساي مكثــــــر وإن هان أنصار وبان خليل


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)

ابـن, خلـدون


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
المراجع : متاحة
المصادر : متاحة


 

الساعة الآن 09:20 بتوقيت الجزائر
المنتدى غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء, فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه.
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات الوادي انفو ولا نتحمل أي مسؤولية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر).


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir, منتدى الوادي , منتدى وادي , منتدى الجزائر