قديم 2015-05-02, 12:34   المشاركة رقم: 21 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ثم كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عربة يزيد في إغرائهم، اجتمعوا إليه، إلى ان أغروا السلطان بسفري معه، ولقنوا النائب بتونس القائد فارح من موالي السلطان أن يتفادى من مقامي معه، خشية على أمره مني بزعمه، وتواطأوا على أن يشهد ابن عرفة بذلك للسلطان، فشهد به في غيبة مني، ونكر السلطان عليهم ذلك، ثم بعث إليّ وأمرني بالسفر معه، فسارعت إلى الامتثال، وقد شق ذلك علي، إلا أني لم أجد محيصاً [عنه] ، فخرجت معه، وانتهيت إلى تبسة، وسط وطن تلول أفريقية، وكان منحدراً في عساكره وتواليفه من العرب إلى توزر؛ لأن ابن يملول كان أجلب عليها سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، واستنقذها من يد إبنه، فسار السلطان إليه، وشرده عنها، وأعاد إليها ابنه وأولياءه. ولما نهض من تبسة، رخعني إلى تونس؛ فأقصت بضيعتي الرياحين من نواحيها لضم زروعي بها، إلى أن قفل السلطان ظافرا منصورا، فصحبته إلى تونس.ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، أجمع السلطان الحركة إلى الزاب؛ بما كان صاحبه ابن مزنى قد آوى ابن يملول إليه، ومهد له في جواره؛ فخشيت أن يعود في شأني ما كان في السفرة قبلها. وكانت بالمرسى سفينة لتجار الإسكندرية قد شحنها التجار بأمتعهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية، فتطارحت على السلطان، وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ذلك، وخرجت إلى المرسى، والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد وطلبة العلم. فودعتهم، وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوضت عنهم بحيث كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرغت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، والله ولي الأمور سبحانه.



الرحلة الى المشرق، وولاية القضاء بمصر:
ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، أقمنا في البحر نحواً من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر. ولعشر ليالٍ من جلوس الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسى الملك دون أهله بني قلاوون؛ وكنا على ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك، وتمهيده له. وأقمت بالإسكندرية شهراً لتهيئة أسباب الحج ولم يقذر عامئذ، فاننقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، وتزهر الحوانك والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه؛ قد مثل بشاطىء بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيهم النهل والعلل سيحه ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجه؛ ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال؛ ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا، حاجهم وتاجرهم، بالحديث عنه. سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس، وكبير العلماء بالمغرب؛ أبا عبد الله المغربي، مقدمه من الحج سنة أربعين وسبعمائة، فقلت له: كيف هذه القاهرة؟ فقال من لم يرها لم يعرف عز الإسلام.
وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: كأنما انطلق أهله من الحساب؛ يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب.
وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس، الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان، منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر، وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم، سنة ست وخمسين وسبعمائة وسأله عن القاهرة فقال: أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان، فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها، لاتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها. فأعجب السلطان والحاضرون لذلك.
ولما دخلتها، أقمت أياماً، وانثال علي طلبة العلم بها، يلتمسون الإفادة مع قفة البضاعة، ولم يوسعوني عذراً؛ فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها.
ثم كان الاتصال بالسلطان، فأبر مقامي اللقاء، وأنس الغربة، ووفر الجراية من صدقاته، شأنه مع أهل العلم، وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس، وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر، اغتباطا بعودي إليه، فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه في تخلية سبيلهم، فخاطبه في ذلك بما نصه.
بسم الله الرحمن الرحيم.
عبد الله ووليه أخوه برقوق <…………..>
السلطان الأعظم، المالك الملك الظاهر، السيد الأجل، العالم العادل، المؤيد المجاهد، المرابط المثاغر، المظفر، الشاهنشاه، سيف الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، اسكندر الزمان، مولي الاحسان، مملك أصحاب التخوت والأسرة والتيجان، واهب الأقاليم والأقطار، مبيد الطغاة والبغاة والكفار، ملك البحرين، مسلك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين، أبو سعيد برقوق ابن الشهيد شرف الدنيا والدين أبي المعالي أنس. خلد الله سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه- يخص الحضرة السنية السرية، المظفرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، العادل المؤيد، المجاهد الأوحد، أبي العباس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدة الدنيا والدين، قدوة الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول. لا زالت مملكته بقوته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوئه غرفات العز في الدنيا والآخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح نده، ولاح سعده، ووداد زاد وجده، وجاد جده.
أما بعد حمد الله الذي جعل القلوب أجناداً مجندة، وأسباب الوداد على البعاد مؤكدة، ووسائل المحبة بين الملوك في كل يوم مجددة؛ والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الذي نصره لله بالرعب مسيرة شهر وأيده وأعلى به منار الدين وشئده؛ وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، صلاة دائمة مؤبده. فإننا نوضح لعلمه الكريم، ان الله- وله الحمد- جعل جبلتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر أعلامه، ومحبة أهله وخذامه، وتيسير مقاصدهم، وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، والتقرب إلى الله بذلك في السر والعلانية؛ فإن العلماء رضي الله عنهم ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه؛ لاسيما من رزقه الله الدراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل من سطرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس السامي، الشيخي، الأجلي، الكبيرى، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، 1لعلامي ا لقدوة، المقتدي، الفريدى؛ المحققي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي، جمال الإسلام والمسلمين، جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة البلغاء، علامة الأمة، إمام الأئمة، مفيد الطالبين، خالصه الملوك والسلاطين عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته؛ فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، وأحق بالرعاية وأجل قدراً؛ وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة عندنا بالديار المصرية، لا رغبة عن بلاده، بل تحبباً إلينا، وتقرباً إلى خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة؛ ووجدنا منه فوق ما في النفوس، مما يجل عن الوصف ويُربي على التعداد. ياله من غريب وصف ودار، قد أتى عنكم بكل غريب؛ وما برح- من حين ورد علينا- يبالغ في شكر الحضرة العلية، ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواطرنا الشريفة إلى حُبَّها، وآثرنا المُكاتبة إليها "والعين تعشق قبل الأذن أحياناً".
وذكر لنا في أثناء ذلك، أن أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة العليّة، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العليّة لهذين السببين الجميلين؛ وقد آثرنا إعلام الحضرة العليّة بذلك، ليكون على خاطره الكريم، والقصد من محبته، يُقدَّمُ أمرَه العالي بطلب أهل الشيخ وليَّ الدين المشار إليه، وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصيَّة بهم، وتجهيزهم إليه مُكرَّمين، محترمين، على أجمل الوجوه صُحبة قاصِده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، سعد الدين مسعود المكْناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله؛ ويكون تجهيزهم على مركب من مراكب الحضرة العلية، مع تَوصيةَ من بها من البحرية بمضاعفة إِكرام المشار إليهم وَرِعايتهم، والتَّأكيد عليهم في هذا المعنى، وإذا وصَل من بها مَن البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في أنفُسهم، ويُرْبي على أملهِم؛ بحيثُ يَهتَمُّ بذلك على ما عُهد من محبَّتِه، وجميل اعتمادِه، مع ما يُتحفُ به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يَحرسُهُ بملائكته وآياته، بِمَنّه ويُمْنِه إن شاء الله.
كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ست وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم الشريف.الحمد لله وصلواته على سيّدنا محمَّد وآله وصَحبه وسلّم.
ثم هلك بعضُ المدرَّسين بمدرسة القمحية بمصر، من وَقْف صلاح الدين بن أَيُّوب، فولاَّني تدريسها مكانه، وبَينا أَنا في ذلك، إِذ سَخِط السلطان قاضي المالكية في دولته، لبعض النَّزَعات فعزله، وهو رابعُ أربعة بعدد المذاهب، يُدعى كلُّ منهم قاضي القُضاة، تمييزاً عن الحُكَّام بالنيابة عنهم، لاَّتساع خُطَّة هذا المعْمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفعُ من الخصومات في جوانبه؛ وكبيرُ جماعتهم قاضي الشَّافعية، لِعُموم ولايته في الأعمال شرقاً وغرباً، وبالصَّعيد والفيوم، واستقلاله بالنظر في أموال الأيتام، والوصايا؛ ولقد يقال بأنّ مباشرة السلطان قديماً بالولاية إنّما كانت تكون له.
فلما غزل هذا القاضي المالكيّ سنة ست وثمانين وسبعمائة، اختصنى السلطان بهذه الولاية، تأهيلاً لمكاني، وتنويهاً بذكري، وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلاّ إمضاءه؛ وخلع علي بإيوانه، وبعث من كبار الخاصّة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقصت بما دفع إليّ من ذلك المقام المحمّود، ووفّيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا يزغبني عنه جاه ولا سطوة، مسّوياً في ذلك بين الخصمين، آخذاً بحقَّ الضعيف من الحكمين، مُعْرِضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين؛ جانحاً إلى التثّبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمّل الشهادات؛ فقد كان البرّ منهم مختلطاً بالفاجر، والطيّب ملتبساً بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم متجاوزون عما يظهر عليهم من هناتهم، لما يموّهون به من الاعتصام بأهل الشوكة؛ فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنّون بهم الخير، ويقسمون لهم الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاء؛ والتوسّل لهم؛ فاعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم؛ ووقفتُ على بعضِها فعاقبت فيه بموجع العِقَاب، ومؤلم النِكال؛ وتأدّى لعلمى الجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمّل الشهادة؛ وكان منهم كتاب الدواوين القضاة، والتوقيع في مجالسهم، قد درّبوا على إملاء الدعاوي، وتسجيل الحكومات، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود، بإحكام كتابتها، وتوثيق شروطها؛ فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم، وتمويهٌ على القضاة بجاههم، يدّرعون به مما يتوقعونه من مغبتهم، لتعرّضهم لذلك بفعلاتهم؛ وقد يسلّط بعضٌ منهم قَلَمَهُ على العقود المُحْكَمَة، فيُوجِدُ السبيلَ إلى حلّها بوجة فِقهيّ، أو كتابيّ؛ ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاَه أو منحة؛ وخصوصاً في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه؛ فأصبحت خافية الشهرة، مجهولة الأعيان، عرضةً للبُطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للأحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعاً أو تمليكاً شارطوه وأجابوه، مفتاتين فيه على الحكّام الذين ضربوا فيه سدّ الحظر والمنع حمايةً عن التّلاعب؛ وفشا في ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر في العقود والأملاك.
فعاملتُ الله في حسم ذلك بما آسفهم عليّ وأحقدهم؛ ثم التفت إلى الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب من الحيرة، لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم، وفتياهم بعد نفوذ الحكم؛ وإذا فيهم أصاغر، بيناهم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة ولا يكادون؛ إذا بهم ظهروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعدوها، وتناولوها بالخزاف، وأجازوها من غير مرتّب ولا مستند للأهلية ولا مرشح؛ إذ الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقّة، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مُرْسَلَ، يتجاذب كل الخصوم منها رَسَناً، ويتناول من حافته شِقّاً، يروم به الفتح على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المُفتي من ذلك ملءَ رضاه، وكَفاءَ أمنيته، متتبعاً إياه في شغب الخلاف؛ فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم؛ والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف متعذَّر، وأهلية المفتي و شهرة الفتيا ليس تمييزها للعامي؛ فلا يكاد هذا المدى ينحسم، ولا الشغب ينقطع.
فصدعت في ذلك بالحق، وكبحتُ أعنّة أهل الهوى والجَهْل، ورددتهم على أعقابهم. وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب؛ يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك،ولا ينتمون إلى شيخ مشهور، ولا يعرف لهم كتاب فى فنّ، قد اتخذوا الناس هزواً، وعقدوا المجالس مثلبةً للأعراض، ومأبنه للحرم؛ فارغمهم ذلك مني، وملأهم حسدا وحقداً عليّ، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، ليشترون بها الجاه ليجيروا به على الله؛ وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم يترخّصون به الإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرّض لأحكام الله بالجهل؛ فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيتُ حكم الله فيمن أجازوه، فلم يغنوا عنه من الله شيئاً، وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطّلة. وانطلقوا يراطؤن السفهاء من النيل من عرضي، وسوء الأحدوثة عني بمختلق الإفك، وقول الزور، ويبثّونه في الناس، ويدسّون إلى السلطان التظلّم مني فلا يصغي إليهم؛ وأَنا في ذلك مُحْتسِبٌ عند الله ما منيت به من هذا الأمر، ومُعْرِضٌ فيه عن الجاهلين، وماضٍ على سبيل سويّ من الصرامة، وقوّة الشكيمة، وتحرّي العدَالة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والأعراض متى غمزني لامِسُها؛ ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة، فنكروه مني، ودعوني إلى تبعهم فيما يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر، ومراعاة الآعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرّت، بناءً على أن الحاكم لا يتعيّن علبه الحكم مع وجود غيره، وهم يعملون أن قد تمالؤا عليه.
وليت شعري ما عذرهم في الصور الظاهرة، إذا علموا خلافها؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك: <<من قضيت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقضي له من النار>>.
فأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقّها؛ والوفاء لها ولمن قلّدنيها، فأصبح الجميع علىّ ألبا، ولمن ينأدي بالتأفّف مني عوناً، وفي النكير عليّ أمّة؛ وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير الحق، لاعتمادي على عِلْمي في الجَرْح، وهي قضية إجماع؛ وانطلقَتِ الألسنُ، وارتفع الصخبُ، وأرادني بعض على الحكم بغرضهم فتوقفت، وأغروا بي الخصوم فتنادوا بالتظلم عند السلطان؛ وجمع القضاة وأهل الفتياء في مجلس حفل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الإبريز، وتبين امرهم للسلطان، وأمضيت فيها حكم الله إرغاماً لهم، فغدوا على حَرَد قادرين، ودسوا لأولياء السلطان وعظماء الدولة، يقبحون لهم إهمال جاههم، ورد شفاعتهم مموهين بأن الحامل على ذلك جهل المصطلح، وينفقون هذا الباطل بعظائم ينسبونها إلي، تبعث الحليم، وتغري الرشيد، يستثيرون حفائظهم علي، ويشربونهم البغضاء لي؛ والله مجازيهم وسائلهم.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:34   المشاركة رقم: 22 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

تحية الإسلام آصل في الفخر نسباً، وأوْصَلُ بالشرع سبباً، فالأولى أن أحييك بما حيا الله في كتابه رسله وأنبياءه، وحيت به ملائكته في جواره أولياءه فأقول:
سلام عليكم يُرْسِلُ من رحمات الله غماماً، ويفتق من الطُّرُوس عن أزهار المحامد كماماً، ويستصحب من البركات ما يكون على الذي أحسن من ذلك تماما؛ وأجدد السؤال عن الحال الحالية بالعلم والذين، المستمدة من أنوارها سرج المهتدين. زادهاً الله صلاحاً، وعرفها نجاحاً يتبع فلاحاً؛ وأقرر ما عندي من تعظيم أرتقي كل آونة شرفه، واعتقاد جميل يرفع عن وجه البدر كلفه، وثناء انشر بيد الترك صحفه؛ وعلى ذلك أيها السيد المالك، فقد تشعبت علي في مخاطبتك المسالك؛ إن أخذتُ في تقرير فخرك العميم، ونسبك الصميم، فو الله ما ادري بأي ثنية للفخر يرفع العلم، وفي أى بحر من ثنائك يسبح القلم، الأمر جَلَل، "والشمس تكبر عن حلي وعن حلل "، وإن أخذت في شكاة الفراق، والاستعداء على الأشواق، اتسع المجال، وحصرت الروية والارتجال، فالأولى أن اترك عذبة اللسان تلعب بها رياح الأشواق، وأسلة اليراع تخضب مفارق الطُّروس بصبيغ الحبر المُرَاق؛ وغيرك من تركض في مخاطبته جياد اليراع، في مجال الرقاع، مستولية على أمد الإبدإع والاختراع؛ فإنما هو بثُّ يُبْكى، وفراق يُشْكى، فيعلم الله مرضي على أن أشافه عن أنبائك ثغور البروق البواسم، وأن أحملك الرسائل حتى مع سفراء النواسم، وأن اجتلي غرر ذلك الجبين في مُحَيّا الشارق، ولمح البارق.
ولقد وجهت لك جملة من الكتب والقصائد، ولا كالقصيدة الفريدة في تأبين الجواهر التي استأثر بهن البحر؛ قدس الله أرواحهم، وأعظم أجرك فيهم؛ فإنها أنافت على مائة وخمسين بيتاً، ولا أدري هل بلغكم ذلك أم غاله الضياع، وغدر وصوله بعد المسافة؛ والذي يطرق لي سوء الظن بذلك، ما صدر في مقابله منكم. فإني على علم من كرم قصدكم، وحسن عهدكم. ومن حين استغرنباكم بذلك بالأفق الشرقي، لم يصلني منكم كتاب، مع علمي بضياع إثنين منها بهذا الأفق الغربي. انتهى.
وفي الكتاب إشارة إلى أنه بعث قصيدة في مدح الملك الظاهر صاحب مصر، ويطلب مني رفعها إلى السلطان، وعرضها عليه بحسب الإمكان؛ وهي على روي الهمزة، ومطلعها:
أمدامع منهلة أم لؤلؤ لما استهل العارض المتلألىء
وبعثها في طيّ الكتاب، واعتذر بأنه استناب في نسخها، فكتبت همزة رويها ألفاً، قال وحقها أن تكتب بالواو، لأنها تبدل بالواو، وتسهل بين الهمزة والواو، وحرف الإطلاق أيضاً يسوقها واواً. هذا مقتضى الصناعة، وإن قال بعض الشيوخ تكتب ألفاً على كل حال، على لغة من لا يسهل، لكنه ليس بشيء.
وأذن لي في نسخ القصيدة المذكورة بالخط المشرقى لتسهل قراءتها عليهم ففعلت ذلك، ورفعت النسخة والأصل للسلطان، وقرأها كاتب سّره عليه، ولم يرجع إلي منهما شيء، ولم أستجز أن أنسخها قبل رفعها إلى السلطان، فضاعت من يدي.
وكان في الكتاب فصل عرّفني فيه بشأن الوزير مسعود بن رحّو المستبد بأمر المغرب لذلك العهد، وما جاء به من الانتقاض عليهم، والكفران لصنيعهم، يقول فيه: كان مسعود بن رخو الذي أقام بالأندلس عشرين عاماً يتَبَثَّك النعيم؛ ويقود الدنيا، ويتحيّز العيش والجاه، قد أجيز صحبة وُلدَ أبي عثمان، كما تعرفتم من نسخة كتاب أنشأئه بجبل الفتح لأهل الحضرة، فاستولى على المملكة، وحصل على الدنيا، وانفرد برياسة دار المغرب، لضعف السلطان رحمه الله؛ ولم يكن إلا أن كفرت الحقوق، وحُنْظِلَت نخلته السحوق؛ وشف على سواد جلدته العقوق؛ وداخل من بسبتة، فانتقضت طاعة أهلها، وظنوا أن القصبة لا تثبت لهم؛ وكان قائدها الشيخ البهمة، فل الحصار وحلي القتال، ومحش الحرب، أبو زكريا بن شعيب، فثبت للصدمة، ونوّر للأندلس فبادره المدد من الجبل، ومن مالقة. وتوالت الأمداد، وخاف أهل البلد، وراجع شرفاؤه، ودخلوا القصبة. واستغاث أهل البلد بمن جاورهم وجاءهم المدد أيضاً. ثم دخل الصالحون في رغبة هذا المقام، ورفع القتال. وفي أثناء ذلك غدروا ثانية، فاستدعى الحال إجازة السلطان المخلوع أبي العباس لتبادر القصبة به، ويتوجه منها إلى المغرب، لرغبة (بني) مرين وغيرهم فيه، وهو ولد السلطان المرحوم أبي سالم الذي قلدكم رياسة داره، وأوجب لكم المزية على أوليائه وأنصاره انتهى.
وبعده فصل آخر يطلب فيه كتبا من مصر يقول فيه:
والمرغوب من سيدي أن يبعث لي ما أمكن من كلام فضلاء الوقت وأشياخهم على الفاتحة، إذ لا يمكن بعث تفسير كامل؛ لأني أثبت في تفسيرها ما أرجو النفع به عند الله. وقد أعلمتكم أن عندي التفسير أوصله إلى المغرب عثمان النجاني من تأليف الطيبي، والسفر الأول من تفسير أبي حيان، وملخص إعرابه، وكتاب المغني لابن هشام وسمعت عن بدأة تفسير للإمام بهاء الدين بن عقيل، ووصلت إلي بدأة من كلام أكمل الذين الأثيري رضي الله عن جميعهم. ولكن لم يصل إلا للبسملة، وذكر أبو حيان في صدر تفسيره أن شيخه سليمان النقيب، أو أبو سليمان. لا أدري الآن، صنف كتاباً في البيان في سفرين، جعله مقدمة في كتاب تفسيرة الكبير، فإن أمكن سيدي توجيهه لا بأس. انتهى.
وفي الكتاب فصول أخرى في أغراض متعددة لا حاجة إلى ذكرها هنا. ثم ختم الكتاب بالسلام، وكتب اسمه: محمد بن يوسف بن زَمْرَك الصّريحي، وتاريخه العشرون من محرم تسع وثمانين وسبعمائة. وكتب إلي قاضي الجماعة بغرناطة؛ أبو الحسن علي بن الحسن البنّي:
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله. يا سيدي وواحدي وُدُّاً وحبًّا، ونجي الروح بعداً وقرباً. أبقاكم الله، وثوب سيادتكم سابغ، وقمرُ سعادتكم- كلما افلت الأقمار- بازغ، أسلم بأتم السلام عليكم، وأقرر بعض ما لدي من الأشواق إليكم، من حضرة غرناطة- مهّدها الله-، عن ذكر لكم يتضوع طيبُه، وشكر لا يذوي- وإن طال الزمان- طيبه وقد كان بلغ ما جرى من تأخيركم عن الولاية التي تقلدتم أمرها، وتحملتم أمرها، فتمثلّت بما قاله شيخنا أبو الحسن ابن الجياب، عند انفصال صاحبه الشريف أبي القاسم عن خطة القضاء:
لا مرحبا بالناشز الفارك إذ جهلت رفعة مقدارك

لو أنها قد أوتيت رشدها ما برحت تعشو إلى نارك
ثم تعرّفت كيفية انفصالكم، وأنه كان عن رغبة من السلطان المؤيد هنا لكم، فرددت- وقد توهمت مشاهدتكم- هذه الأبيات:
لك الله يا بدر السماحة والبشر لقد حزت في الأحكام منزلة الفخر

ولكنك استعفيت عنها تورعا وتلك سبيل الصالحين كما تدري

جريت على نهج السلامة في الذي تخيرته أبشر بأمنك في الحشر

وحقق بأن العلم ولاك خطة من العز لا تنفك عنها مدى العمر

تزيد على مرّ الجديدين جدة وتسري النجوم الزاهرات ولا تسري

ومن لاحظ الأحوال وازن بينها ولم ير للدنيا الدنية من خطر

وأمسى لأنواع الولايات نابذا فغير نكير أن تواجه بالنكر

فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله من الزهد فيها والتوقي من الوزر

ولا تكترث من حاسديك فإنهم حصى والحصى لا يرتقي مرتقى البدر

ومن عامل الأقوام بالته مخلصا له منهم نال الجزيل من الأجر

بقيت لربع الفضل تحمي ذماره وخار لك الرحمن في كل ما تجري
إيه سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأطنبتم في كتابكم في الثناء على السلطان الذي أنعم بالإعفاء، والمساعدة على الانفصال عن خطة القضاء، واستوهبتم الدعاء له من هنا من الأولياء، ولله دركم في التنبيه على الإرشاد إلى ذلكم، فالدعاء له من الواجب، إذ فيه استقامة الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، وعند ذلك ارتفعت أصوات العلماء والصلحاء بهذا القطر له ولكم بجميل الدعاء. أجاب الله فيكم أحسنه وأجمله، وبلغ كل واحد منكم ما قصده وأمله. وأنتم أيضاً من أنتم من أهل العلم والجلالة، والفضل والأصالة، وقد بلغتم بهذه البلاد الغاية من التنويه، والحظ الشريف النبيه؛ لكن أراد الله سبحانه أن يكون لمحاسنكم في تلك البلاد المعظمة ظهور، وتحدث بعد الأمور أمور؛ وبكل اعتبارٍ ، فالزَّمان بكم – حَيثُ كنتُم – مباه ، والمحامدُ مجموعةٌ لكم جمعَ تثناه . ولما وقَف على مَكتوبكم إِليّ مَولانا السلطان أبو عَبدِ الله ، أطال الثناءَ على مقاصدكم ، وتحقَّقَ صحيحَ ودادكم ، وجَميل اعتقادِكم ، وعَمَّر مَجْلِسَه يومئذ بالثَّناءِ عليكم ، والشكر لما لديكم .
ثم ختم الكتابَ بالسَّلام من كاتِبه عليّ بن عبد الله بن الحَسن مؤرخاً بصَفرِ تسعين وسبعمائة. وفي طيِّه مُدْرَجَة بخطه ، وقَد قصَّر فيها عَن الإجادة نَصُّها :
سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم ، وأظفَر يمناكم بذَوائب مُناكم . أعتذر لكم عن الكِتاب المدْرَج به هذا بِغَيْر خطّي ، فإني في الوَقْت بِحالٍ مَرَض من عَينيَّ ، ولكم العافية الوَاقية، فيَسَعُني سَمْحُكم وربما أن لديكم تشوفّ لما نَزَل في هذه المدة بالمغْرب من الهرْج أماطه الله ، وأمَّن جَميعَ بلاد المسلمين .
والموجب أن الحصَّة الموجهة لتلك البِلادِ في خِدمةِ أميرهم الوَاثق ، ظهر له ولوزيره ومن ساعده على رأيه إِمساكُها رهينة، وجعْلُهم في القيود إلى أن يقعَ الخروجُ لهم عن مدينة سَبتة . وكان القائد على هذه الحصَّة العِلج المسمى مهنَّد، وصاحبُه الفتى المدعو نَصر الله . وكثر التَّردّد في القضية ، إلى أن أبرز القَدَرُ توجيهَ السلطان أبي العباسِ -تولاَّه الله - صحبةَ فَرَج بن رِضْوان بحصَّة ثانية، وكان ما كان ، حسبما تلقيتم من الركبان ، هذا ما وسِع الوَقْت من الكلام . ثم دعا، وخَتَم الكتاب.
وإِنما كتبتُ هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غَرض هذا التَّعريف بالمؤلِّف ، لأن فيها تَحقيقاً لهذه الواقِعات ، وهي مذكورة في أماكنها من الكِتاب ، فربَّما يحتاج الناظر إلى تحقِيقها من هذا الموضع .
وبعدَ قَضاءِ الفريضة، رجعتُ إلى القاهرة محفُوفاً بستر الله ولُطفه ولقيتُ السلطان ، فتلقَّاني - أيَّده الله - بِمَعهودِ مَبَرَّته وعِنايته . وكانت فتنَةُ النَاصِري بعدها سَنَة إحدى وتسعين وسبعمائة. ولحقَت السلطانَ النكبة التي مَحصَهُ الله فيها وأقالَه ، وجَعَلَ إلى الخْير فيها عاقبتَه ومآلَه ؛ ثم أعاده إلى كرسيّه للنظر في مصالح عباده ؛ فطوَّقه القِلادة التي ألبَسه كما كانت ؛ فأعاد لي ما كان أجراهُ من نِعمته ، ولزمتُ كِسْر البيتِ ممتًعأ بالعافية، لابساً بُرْد العُزْلة، عاكفاً على قراءَة العلم وتدريسِه ، لهذا العهد فاتح سبع وتسعين .
ولاية الدروس والخوانق :
أهل هذه الدَّولة التركية بمصر والشام مَعنِيُّون - على القِدَم مُنذُ عَهد مَواليهم مُلوك بني أيوب - بإنشاءِ المدارس لتدريس العلم ، والخَوانق لإقامةُ رُسُومِ الفُقراء في التَخلق بآداب الصُّوفية السُّنِّية في مُطارحة الأذكار، ونَوافِل الصَلوات . أخَذُوا ذلك عَمن قَبْلَهم من الدُّول الخِلافِية ؛ فيَخْتَطُّون مَبانِيها ويَقِفُون الأراضِي المُغِلة للإنفاق منها على طلَبَة العِلْم ، ومُتَدَربي الفقراء. وإن استفضَل الريْعُ شَيئاً عن ذلك ، جعلوه في أعقابهم خَوفاً على الذُرية الضِّعاف من العَيْلة . واقْتَدَى بِسُنَّتِهم في ذلك من تَحتَ أيديهم من أهل الرِّياسَة والثَّروة، فكثُرت لذلك المدارسُ والخَوانقُ بمدِينة القاهرة ، وأصبَحت مَعاشاً للفُقراء من الفُقهاء والصوفية ، وكان ذلك مِن محاسِن هذه الدولة التُركية، وآثارها الجَميلة الخالِدة .

وكنتُ لأول قُدُومي على القاهرة، وحُصولي في كفالَة السلطان ، شَغَرَتْ مَدرسة بِمصْر من إنشاء صلاح الدين بن أيوب ، وقَفها على المالكية يتدارسَون بها الفِقه ، ووقف عليها أراضي من الفَيُوم تُغِل القمح ، فسُمًيت لذلك القَمْحِيَّة ؛ كما وقَف أُخرَى على الشافعية هنالك ؛ وتُوفي مُدَرّسُها حينئذ، فَولاني السلطانُ تَدْرِيسَها ، وأعقَبه بولاية قضاء المالكية سنةَ ستِ وثمانين وسبعمائة، كما ذكرت ذلك من قَبْل ؛ وحضَرني يومَ جُلوسي للتدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويهاً بذكري ، وعِنايةً من السلطان ومنهم بجانبي ؛ وخطبتُ يومَ جلوسي في ذلك الحفل بخُطبة ألممتُ فيها بذكر القوم بما يُناسِبهم ، وُيوفي حَقَّهم ، ووَصَفْت المَقَام ، وكان نَصُها :
الحمد لله الذي بدأ بالنِّعَم قبل سُؤالها، ووفَّق مَن هَداه للشُكر على مَنَالِها، وجعَل جزاءَ المُحْسِنين في مَحبَّته ، ففازوا بعَظيم نَوالِها. وَعَلمَ الإنسانَ الأسماءَ والبَيان ، وما تم يَعْلَمْ من أمثالِها ، ومَيَّزه بالعَقْل الذي فَضَّله على أصناف الموجُودات وأجْيالها، وهَدَاه لقَبول أمانةِ التَكليف ، وحَمْل أثقالِها . وخَلَق الجنَّ والإنسَ للعِبادة، فَفازَ مِنهُمِ بالسعادة مَنْ جَدَّ في امتثَالها وَيسَّر كلاًّ لما خُلِق لَه ، من هداية نَفْسِه أو إضلالها ؛ وفَرغ ربُّك من خلْقها وخُلقها وأرْزاقها وآجالها . والصَّلاةُ على سَيدنا ومولانا محمد نُكتَةِ الأكوان وجمالها، والحجة البالغة لله على كمالها، الذي رَقَّاه في أطوار الاصْطفاء، وآدم بين الطين والماء؛ فجاء خاتم أنبيائها وأرسالها؛ ونسخ الملل بشريعته البيضاء فتميز حرامها من حلالها؛ ورضي لنا الإسلام ديناً، فأتم علينا النعمة بإكمالها.
والرضى عن آله وأصحابه غيوث رحمته المنسجمة وطلالها، وليوث ملاحمه المشتهرة وأبطالها. وخير أمة أخرجت للناس، في توسطها واعتدالها، و ظهور الهداية والاستقامة في أحوالها، صلى الله عليه وعليهم صلاة تتصل الخيرات باتصالها، وتنال البركات من خلالها.
أما بعد فإن الله سبحانه لما أقر هذه الملة الإسلامية في نصابها، وشفاها من أدوائها واوصابها، وأورث الأرض عباده الصالحين من أيدي غصابها، بعد أن باهلت فارس بتاجها، وعصابها، وخلت الروم إلى تماثيلها وأنصابها؛ وجعل لها من العلماء حفطة وقواما، ونجوما يهتدي بها التابع وأعلاما، يقربونها للدراية تبيانا وإفهاما، ويوسعونها بالتدوين ترتيبا وإحكاما، وتهذيبا لأصولها وفروعها ونظاما. ثم اختار لها الملوك يرفعون عمدها، ويقيمون صغاها بإقامة السياسة وأودها، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد أو قصدها؛ فكان لها بالعلماء الظهور والانتشار، والذكر السيار، والبركات المخلدة والآثار؛ ولها بالملوك العز والفخار، والصولة التي يلين لها الجبار، ويذل لعزة المؤمنين بها الكفار، وتجلل وجوه الشرك معها الصغار؛ ولم تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار، والدول تحتفل والأمصار، والليل يختلف والنهار، حتى أظلت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من الترك، الماحين بأنوار أسنتهم ظلم الضلالة والشك، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين والإفك، المصيبين بسهامهم النافذة ثغر الجهالة والشرك، المظهرين سر قوله: "لا تزال طائفة من أمتي " فيما يتناولونه من الأخذ والترك؛ ففسحوا خطة الإسلام، وقاموا بالدعوة الخلافية أحسن القيام، وبثوها في أقصى التخوم من الحجاز والشام، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشريفين ما فضلوا به ملوك الأنام. واقتعدوا كرسي مصر الذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام، على قدم الأيام؛ فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع المثاني والقرآن، وعمرت المساجد بالصلوات والأذان، تكاثر عدد الحصى والشهبان. وقامت المآذن على قدم الاستغفار والسبحان معلنة بشعار الإيمان، وازدان جوها بالقصر والإيوان فالإيوان. ونظم دستها بالعزيز، والظاهر، والأمير، والسلطان. فما شئت من ملك يخفق العز في أعلامه، وتتوقد في ليل المواكب نيران الكواكب من أسنته وسهامه؛ ومن أسرة للعلماء نتناول العلم بوعد الصادق ولو تعلق بأعنان السماء، وتنير سراجه في جوانب الشبه المدلهمة الظلماء؛ ومن قضاة يباهون بالعلم والسؤدد عند الانتماء، ويشتملون الفضائل والمناقب اشتمال الصماء، ويفصلون الخصومات برأي يفرق بين اللبن والماء.


يتبع












آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:46   المشاركة رقم: 23 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ولا كدولة السلطان الظاهر، والعزيز القاهر، يعسوب العصائب والجماهر، ومطلع أنواع العز الباهر، ومصرف الكتائب تزري بالبحر الزاخر، وتقوم بالحجة للقسي على الأهلة في المفاخر؛ سيف الله المنتضى على العدو الكافر، ورحمته المتكفلة للعباد باللطف الساتر؛ رب التيجان والأسرة والمنابر، والأواوين العالية والقصور الأزاهر، والملك المؤيد بالبيض البواتر، والرماح الشواجر، والأقلام المرتضعة أحلاف العز في مهود المحابر، والفيض الرباني الذي فاق قدرة القادر، وسبقت به العناية للأواخر. سيد الملوك والسلاطين، كافل امير المؤمنين، أبو سعيد أمده الله بالنصر المصاحب، والسعد المؤازر، وعرفه آثار عنايته في الموارد والمصادر، واراه حسن العاقبة في الأولى وسرور المنقلب في الاخر؛ فإنه لما تناول الأمر بعزائمه وعزمه، وآوى الملك إلى كنفه العزيز وحزمه، أصاب شاكلة الرأي عندما سدد من سهمه، واوقع الرعايا في ظل من أمنه، وعدل من حكمه، وقسم البأس والجود بين حربه وسلمه؛ ثم أقام دولته بالأمراء الذين اختارهم باختيار الله لأركانها، وشدّ بهم أزره في رفع القواعد من بنيانها؛ من بين مصرف لعنانها، متقدم القدم على أعيانها، في بساط إيوانها؛ ورب مشورة تضيء جوانب الملك بلمعانها، ولا يذهب الصواب عن مكانها؛ ومنفذ أحكام يشرق الحق في بيانها، ويضوع العدل من أردانها ونجي خلوة في المهم الأعظم من شأنها؛ وصاحب قلم يفضي بالأسرار إلى الأسل الجرار، فيشفي الغليل بإعلانها. حفظ الله جميعهم وشمل بالسعادة والخيرات المبدأة المعادة تابعهم ومتبوعهم.
ولما سبحت في اللج الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النهار ينصب من صفحه المشرق، وشجرة الملك التي اعتز بها الإسلام تهتز في دوحه المعرق، وأزهار الفنون تسقط علينا من غصنه المورق، وينابيع العلوم والفضائل تمدو شلنا من فراته المغدق؛ أو لوني عناية وتشريفاً، وغمروني إحساناً ومعروفاً، وأوسعوا بهمتي إيضاحاً، ونكرتي تعريفاً؛ ثم أهلوني للقيام بوظيفة السادة المالكية بهذا الوقف الشريف، من حسنات السلطان صلاح الدين أيوب ملك الجلاد والجهاد، وماحي آثار التثليث والرفض الخبيث من البلاد، ومطهر القدس الشريف من رجس الكفر بعد أن كانت النواقيس والصلبان فيه بمكان العقود من الأجياد. وصاحب الأعمال المتقبلة يسعى نورها بين يديه في يوم التناد؛ فأقامني السلطان- أيده الله- لتدريس العلم بهذا المكان، لا تقدماً على الأعيان، ولا رغبة عن الفضلاء من أهل الشان؛ وإني موقن بالقصور، بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في هذا القضاء؛ وأنا أرغب من أهل اليد البيضاء والمعارف المتسعة الفضاء، أن يلمحوا بعين الارتضاء، ويتغمدوا بالصفح والاغضاء، والبضاعة بينهم مزجاة، والاعتراف من اللوم- إن شاء الله- منجاة؛ والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله تعالى يرفع لمولانا السلطان في مدارج القبول أعماله، ويبلغه في الدارين آماله، ويجعل للحسنى والمقر الأسنى، منقلبه ومآله؛ ويُديُم على السادة الأمراء نعمته، ويحفظ على المسلمين بانتظام الشمل دولتهم ودولته، ويمد قضاة المسلمين وحكامهم بالعون والتسديد، ويمتعنا بانفساح آجالهم إلى الأمد البعيد، ويشمل الحاضرين برضوانه في هذا اليوم السعيد، بمنِّه وكرمه.

وانفض ذلك المجلس، وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار، وتناجت النفوس بالأهلية للمناصب؛ وأقمت على الاشتعال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فعزله، واستدعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه؛ فتفاديت من ذلك، وأبى إلا إمضاءه. وخلع علي، وبعث معي من أجلسني بمقعد الحكم في المدرسة الصالحية في رجب ست وثمانين وسبعمائة؛ فقمت في ذلك المقام المحمّود، ووفيت عهد الله في إقامة رسوم الحق، وتحري المعدلة، حتى سخطني من لم تُرْضِه أحكام الله، ووقع من شغب أهل الباطل والمِراء ما تقدم ذكره.
وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس؛ فمنعهم سلطان تونس من اللحاق بي اغتباطاً بمكاني، فرغبت من السلطان أن يشفع عنده في شأنهم، فأجاب، وكتب إليه بالشفاعة؛ فركبوا البحر من تونس في السِّفين؛ فما هو إلا أن وصلوا إلى مرسى الإسكندرية؛ فعصفت بهم الرياح وغرق المركب بمن فيه، وما فيه، وذهب الموجود والمولود؛ فعظم الأسف، واختلط الفكر، وأعفاني السلطان من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال بالعلم تدريساً وتأليفاً.
ثم فرغ السلطان من اختطاط مدرسته بين القصرين، وجعل فيها مدافن أهله، وعين لي فيها تدريس المالكية، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التدريس على عادتهم في ذلك ونصها:
"الحمد لله الذي من على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده، وعرفهم أشرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار لطفه في وقائع عباده، وعرضهم على أمانة التكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده، ويسر كلا لما خلق له، من هدايته أو إضلاله، وغَيِّه أو رشاده، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين لصلاحه أو فساده، وعلمه ما لم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عما في فؤاده؛ وجعل منهم أنبياء وملوكاً يجاهدون في الله حق جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده؛ ورفع البيوت المقدسة بسبحات الذكر وأوراده.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد البشر من نسل آدم وأولاده، لا. بل سيد الثقلين في العالم من إنسه وجنه وأرواحه و أجساده، لا. بل سيد الملائكة والنبيين، الذي ختم الله، كمالهم بكماله وآمادهم بآماده، الذي شرف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده؛ وفصل له الذكر الحكيم تفصيلاً، كذلك ليثبت من فؤاده وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل رب العالمين، ليكون من المنذرين لعباده؛ فدعا إلى الله على بصيرة بصادق جداله وجلاده وانزل عليه النصر العزيز، وكانت ملائكة السماء من إمداده، حتى ظهر نور الله على رغم من رغم. بإطفائه وإخماده، وكمل الدين الحنيف فلا تخشى والحمد لله غائلة انقطاعه ولا نفاده؛ ثم أعد له من الكرامات ما أعد في معاده، وفضله بالمقام المحمّود في عرصات القيامة بين أشهاده، وجعل له الشفاعة فيمن انتظم في أمته، واعتصم بمقاده.
والرضى عن آله وأصحابه، غيوث رحمته، ولُيوث إنجاده، من ذوي رحمه الطاهرة وأهل وداده المتزودين بالتقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر بمكابرة الحق وعناده، وأراد في الدين بظلمه وإلحاده، حتى استقام الميسم في دين الله وبلاده، وانتظمت دعوة الإسلام أقطار العالم، وشعوب الأنام، من عربه وعجمه وفارسه ورومه وتركه وأكراده. صلى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن باتصال الخير واعتياده، وتؤهل لاقتناء الثواب وزياده، وسلم كثيراً؛ وعن الأئمة الأربعة، علماء السنة المتبعة، والفئة المجتباة المصطنعة؛ وعن إمامنا من بينهم الذي حمل الشريعة وبينها، وحرر مقاصدها الشريفة وعينها، وتعرض في الآفاق منها والمطالع، بين شهبها اللوامع؛ فزينها. نكتة الهداية إذا حقق مناطها، وشرط التحصيل والدراية إذا روعيت أشراطها، وقصد الركاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها؛ عالم المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النبوة من مشكاتها المبينة، الإمام مالك بن انس. ألحقه الله برضوانه، وعرفنا بركة الاقتداء بهدية وعرفانه؛ وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكفلهم بفضله ونعمته، وييسرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته، و يحملهم في العناية بأمورهم، و الرعاية لجمهورهم، على مناهج سنته ولطائف حكمته. ولذلك اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التمسك بكلمته. ثم فضلهم بما خولهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدرجات العلى في وفور الأجر ومزيته.
وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، العادل الطاهر، القائم بأمور الإسلام عندما أعيا حملها الأكتاد، وقطب دائرة الملك الذي أطلع الله من حاشيته الأبدال وانبت الأوتاد، ومنفق أسواق العز بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد؛ رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل والرزق، وظله الواقي للعباد بما اكتنفهم في العدل والحق، قاصم الجبابرة، والمعفي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التيجان من التبابعة والأكاسرة، أولي الأقيال والأساورة؛ وحائز قصب السبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة، ومفوض الأمور بإخلاصه إلى ولي الدنيا والآخرة؛ مؤيد كلمة الموحدين، ورافع دعائم الدين، وظهير خلافة المؤمنين، سلطان المسلمين أبو سعيد. صدق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النصر ظهيره، كما جعل السعد قرينه، والعز خدينه، وكان وليه على القيام بأمور المسلمين ومعينه، وبلغ الأمة في اتصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤملونه. لما قلده الله هذا الأمر الذي استوى له على كرسي الفلك، وانتظمت عقود الدول في لبات الأيام، وكانت دولته واسطة السلك وجمع له الدين بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان الترك. وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال؛ فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والترك. وجمع عليه قلوب العباد. فشهد سرها بمحبه الله له، شهادة خالصة من الريب، بريئة من الشك. حتى استولى من العز والملك على المقام الذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفسه إلى ما عند الله، فصرف قصده إليه واعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسال عليها أجراً ولا يكدرها بالمنِّة، واحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الإنس والجنة، لا؛ بل النَّسَم والأجنة. ثم آوى الخلق إلى عدله تصديقاً بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنة، ونافس في اتخاذ المدارس والربط لتعليم الكتاب والسنة، وبناء المساجد المقدسة يبني له بها الله البيوت في الجنة، والله لا يضيع عمل عامل فيما أظهره أو أكنه.
وإن ما أنتجته قرائح همته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته؛ هذا المصنع الشريف، والهيكل السامي المنيف، الذي راق الكواكب حسنه وظرفه، وأعجز الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا بل! الكلم السحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة السحب ومناولة الشهب مارِنه العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السعادة والقبول من الله عطفه؛ إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار أو باهى القصر والإيوان، شهد له المحراب والمنار؛ أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجته الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء رباني ينشأ في جوه للرحمة والسكينة ظلة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشمس منه ثغر بسام؛ دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الذي استله من قراب ملكه وانتصاه، وسهمه الذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الذي صقل فرنده بالعز والعزم وأمضاه، فارتضاه، وحسام أمره الذي طالب غريم الأيام، بالأمل العزيز المرام؛ فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعزَّ الأعلى جهركس الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسهام؛ فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الاتقان والابداع. واختصها من اصناف الفعلة بالماهر الصناع، يتناظرون في إجاده الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع؛ فكأن العبقري، يفري- الفري، أو العفاريت، قدمت من أماريت. وكأنما حشرت الجن والشياطين، أو نشرت القهارمة من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصخر بالأذواد لا بالواد، واستنزلوا صم الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، على بعيد المهوى من العماد. وغشوها من الوشي الأزهر، المصاعف الصدف والمرمر، ومائع الفجين الأبيض والذهب الأحمر، بكل مسهم الحواشي حالي الأبراد؛ وقدروه مساجد للصلوات والأذكار، ومقاعد للسبحات بالعشي والإبكار، ومجالس للتلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا للتخلي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتعرض للفتوح الربانية والأنوار؛ ومدارس لقدح زناد الأفكار، ويتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللجين والتضار، في محك القرائح والأبصار. تتفجر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتح أبواب الجنة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غر السوابق من العلوم والحقائق، في طلق ميدانه، ويصعد الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله من نواحي اركانه؛ وتوفر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:46   المشاركة رقم: 24 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعياناً، ومن شيوخ الحقائق الصوفية فرساناً؛ تصفح لهم أهل مملكته إنساناً، وأشاد بقدرهم عناية وإحساناً، ودفعهم إلى وظائفه توسعاً في مذاهب الخير وافتناناً. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتساباً لله وقرباناً، وتقُّيلا لمذاهب الملوك من قومه واستناناً؛ ثم نظمني معهم تطولا وامتناناً، ونعمة عظمت موقعاً وجفت شاناً؛ وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخراً عن الجماعة، ولقعود الهمة، عيالاً على هؤلاء الأئمة، فسمحهم يغطي ويلحف، وبمواهب العفو والتجاوز يمنح ويُتْحف. وإنما هي رحمة من مولانا السلطان- أيده الله- خَصّت كما عفت، ووسمت اغفال النكرة والإهمال وسمَّت؛ وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمت؛ وقد ينتظم الدّر مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتيجان؛ وتراض المسومة العراب على مسابقة الهجان؛ والكل في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه؛ والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدهر و صروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصته ولفيفه، بمن الله وفضله.
ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التدريس والتأليف.
ثم خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة للحج، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزود هو وأمراؤه بما أوسع الحال وارغده؛ وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع؛ ثم صعدت مع المحمل إلى مكة؛ فقضيت الفرض عامئذ. وعدت في البحر؛ فنزلت بساحل القصير؛ ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيّثىء ظله.

ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش فولاني إياها بدلاً من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرم أحد وتسعين وسبعمائة، وقمت ذلك اليوم- على العادة- بخطبة نصها:
" الحمد لله إجلالاً وإعظاماً، واعترافاً بحقوق النعم والتزاماً، واقتباساً للمزيد منها واغتناماً، وشكراً على الذي أحسن وتماماً، وسع كل شيء رحمة وإنعاماً، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاماً، وصرف الكائنات في قبضة قدرته ظهوراً وخفاء وإيجاداً وإعداماً، وأعطى كل شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاماً، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصاً عنه ولا مراماً.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة الهامية غماماً والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعاً وحطمت أصناماً، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاماً، أول النبيين رتبة وآخرهم ختاماً، وسيدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرسل إماماً؛ وعلى أله وأصحابه الذين كانوا ركناً لدعوته وسناماً وحرباً على عدوه وسماماً، وصلوا في مظاهرته جداً واعتزاماً، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنساباً وأرحاماً، حتى ملأوا الأرض إيماناً وإسلاماً، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتاً وإرغاماً فأصبح ثغر الدين بساماً ووجه الكفر والباطل عبوساً جهاماً. صلى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاماً، صلاة ترجح القبول ميزاناً، وتبوىء عند الله مقاماً.
والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتبعة، مصابيج الأمان ومفاتيح السنة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتقين إماماً.
أما بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والطهور، والعز الخالد على الظهور، وانفساح خطته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة الصيت عالية المقدار جامعة- بمحاسن آدابه وعزة جنابه- معاني الفخار، منفقة بضائع علومه في الأقطار، مفجرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأً من النهار؛ ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفاخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان وأواصره ، في خدمة الحرمين الشريفين- بالمتين من أسباب الدين وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوَّله وآخره.
وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع لواء المعالي والمفاخر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والمجلي في ميدان السابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمة بنظره الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظله المديد وعدله الوافر، ومطلع أنوار العز والسعادة من أفقه السافر؛ واسطة السلك من هذا النظام، والتاج المحلى في مفارق الدول والأيام، سيد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمة إحسانه الجزيل وإنعامه، وأطال في السعادة والخيرات المبداة المعادة لياليه وأيامه؛ لما أوسع الدين والملك نظراً جميلاً من عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقد الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، عين كلاءته، كما قلده الله رعايته وأقام حكام الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافراً عن آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، وأمنه على سلطانه ودولته، وهو الوفي- والحمد لله- بأمانته؛ ثم صرف نظره إلى بيوت الله يعنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النظر الجميل في إشادتها وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبث العلم من يؤهله لوظائفها ودروسها؛ فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى زهت الدولة بملكها ومصرها، وفاخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت الأواوين لإيوانها العالي وقصرها؛ فابتهج العالم سروراً بمكانها، واهتزت الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفل الرحمن، لمن اعتز به الإيمان، وصلح على يده الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها.
وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من سلف أمراء الترك، خفف الله حسابه وثقل في الميزان- يوم يعرض على الرحمن- كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصدقة الجارية وثوابه، عناية جدد لي لباسها، وإيثاراً بالنعمة التي صححت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت المرسوم، وانطلقت أقيم الرسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظ المقسوم. وأنا مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ بالله وبركة هؤلاء الحضور، السادة الصدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدعوى والزور، في شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه الحسنى وزيادة الحظ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته وذويه قرة عينه ورضى آماله، ويديم على السادة الأمراء ما خولهم من رضاه وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله.
وقد رأيت أن أقرر للقراءه في هذا الدرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، رضي الله عنه، فإنه من أصول السنن، وأمهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه.
فلنفتتح الكلام بالتعريف بمؤلفه- رضي الله عنه- ومكانه من الأمانة والديانة، ومنزلة كتابه "الموطأ" من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطرق التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيى بن يحيى، ونذكر أساندي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على متن الكتاب.
أما الإمام مالك- رضي الله عنه- فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز في الحديث والفقه غير منازع، والمقلد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصا أهل المغرب.
قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله. كان إماماً، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري.
وجده أبو عامر بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة؛ ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة؛ ويقال حثيل أوخثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم؛ ويقال حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث؛ وهو ذو أصبح. وذو اصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم معروف؛ فهو حميري صليبة، وقرشي حلفا. ولد سنة إحدى وتسعين- فيما قال ابن بكير، واربع وتسعين- فيما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ونشأ بالمدينة، وتفقه بها. إخذ عن ربيعة الرأي، وابن شهاب وعن عمه أبي سهيل، وعن جماعة ممن عاصرهم من التابعين وتابعي التابعين؛ وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله شاباً يناهز العشرين، وأقام مفتياً بالمدينة ستين سنة. واخذ عنه الجم الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى كثرة؛ وأعظم من أخذ عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وابن وهب، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وابن المبارك- في أمثال لهم وانظار. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة، وقال سحنون عن ابن نافع: توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة: كنا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله : "تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم اعلم من عالم المدينة" أنه مالك بن أنس.
وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، وقال: إذا جاءك الحديث فمالك أمير المؤمنين.
وقد ألف الناس فضائله كتباً، وشأنه مشهور.
وأما الذي بعثه على تصنيف "الموطأ"- فيما نقل أبو عمر بن عبد البر- فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عمل كتاباً على مثال "الموطأ"، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئاً من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا! ولو كنت أنا الذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حج أبو جعفر المنصور، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فصغ أنت للناس كتاباً ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة. قال مالك: فلقد علمني التأليف؛ فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنفه وسماه "الموطأ" أي المسهل. قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطاءة، أي صار وطيئاً؛ ووطأته توطئة؛ ولا يقال وطيته. ولما شغل بتصنيفه أخذ الناس بالمدينة يومئذ في تصنيف فوطات، فقال لمالك أصحائه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه الناس؛ وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمن أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله؛ فكأنما ألقيت تلك الكتب في الابار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته؛ فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن ضنف إلى هلم. وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه، ولم يختلف في ذلك إثنان. قال الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي: ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصح، وفي رواية أكثر صواباً، من "موطأ" مالك. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت كتاباً ألف في العلم أكثر صواباً من "موطأ" مالك.
وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لرواية عنه فمنها موطأ الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومنها موطأ مطرف بن عبد الله اليساري نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطأ عبد الرحمن بن القاسم رواه عنه سحنون بن سعيد؛ ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي. رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جم؛ وكان فيما أخذ عنه "الموطأ"، وأدخله الأندلس والمغرب؛ فأكب الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها، وعولوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب "الموطأ" وتفاسيرهم، ويشيرون إلى الرويات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها، فهجرت الروايات الأخرى، وسائر تلك الطرق، ودرست تلك الموطآت إلا موطأ يحيى ابن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقاً وغرباً.
وأما سندي في هذا الكتاب المتصل بيحيى بن فعلى ما أصفه:
حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرحالة أبو عبد الله محمد بن جابر ابن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد- ثلاثة من المحدثين- بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين وسبعمائة من هذه المائة الثامنة، مقدمه من السفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويين من فاس؛ فسمعت عليه بعضاً من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة إثنتين وستين وسبعمائة، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه؛ وكنت أنا القارىء فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدرا من كتاب " الموطأ"، وأجازنى بسائره إجازة أخرى.
ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا كفهم: حدثنا الشيخ المعفر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي.
وحدثني به أيضا شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكية ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، عن الإمام شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النقرات عن أبي الحسن على بن أحمد الكناني. قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن الصفار قاضي الجماعة بقرطبة.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:53   المشاركة رقم: 25 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعياناً، ومن شيوخ الحقائق الصوفية فرساناً؛ تصفح لهم أهل مملكته إنساناً، وأشاد بقدرهم عناية وإحساناً، ودفعهم إلى وظائفه توسعاً في مذاهب الخير وافتناناً. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتساباً لله وقرباناً، وتقُّيلا لمذاهب الملوك من قومه واستناناً؛ ثم نظمني معهم تطولا وامتناناً، ونعمة عظمت موقعاً وجفت شاناً؛ وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخراً عن الجماعة، ولقعود الهمة، عيالاً على هؤلاء الأئمة، فسمحهم يغطي ويلحف، وبمواهب العفو والتجاوز يمنح ويُتْحف. وإنما هي رحمة من مولانا السلطان- أيده الله- خَصّت كما عفت، ووسمت اغفال النكرة والإهمال وسمَّت؛ وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمت؛ وقد ينتظم الدّر مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتيجان؛ وتراض المسومة العراب على مسابقة الهجان؛ والكل في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه؛ والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدهر و صروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصته ولفيفه، بمن الله وفضله.
ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التدريس والتأليف.
ثم خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة للحج، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزود هو وأمراؤه بما أوسع الحال وارغده؛ وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع؛ ثم صعدت مع المحمل إلى مكة؛ فقضيت الفرض عامئذ. وعدت في البحر؛ فنزلت بساحل القصير؛ ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيّثىء ظله.
ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش فولاني إياها بدلاً من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرم أحد وتسعين وسبعمائة، وقمت ذلك اليوم- على العادة- بخطبة نصها:
" الحمد لله إجلالاً وإعظاماً، واعترافاً بحقوق النعم والتزاماً، واقتباساً للمزيد منها واغتناماً، وشكراً على الذي أحسن وتماماً، وسع كل شيء رحمة وإنعاماً، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاماً، وصرف الكائنات في قبضة قدرته ظهوراً وخفاء وإيجاداً وإعداماً، وأعطى كل شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاماً، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصاً عنه ولا مراماً.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة الهامية غماماً والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعاً وحطمت أصناماً، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاماً، أول النبيين رتبة وآخرهم ختاماً، وسيدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرسل إماماً؛ وعلى أله وأصحابه الذين كانوا ركناً لدعوته وسناماً وحرباً على عدوه وسماماً، وصلوا في مظاهرته جداً واعتزاماً، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنساباً وأرحاماً، حتى ملأوا الأرض إيماناً وإسلاماً، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتاً وإرغاماً فأصبح ثغر الدين بساماً ووجه الكفر والباطل عبوساً جهاماً. صلى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاماً، صلاة ترجح القبول ميزاناً، وتبوىء عند الله مقاماً.
والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتبعة، مصابيج الأمان ومفاتيح السنة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتقين إماماً.
أما بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والطهور، والعز الخالد على الظهور، وانفساح خطته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة الصيت عالية المقدار جامعة- بمحاسن آدابه وعزة جنابه- معاني الفخار، منفقة بضائع علومه في الأقطار، مفجرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأً من النهار؛ ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفاخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان وأواصره ، في خدمة الحرمين الشريفين- بالمتين من أسباب الدين وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوَّله وآخره.
وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع لواء المعالي والمفاخر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والمجلي في ميدان السابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمة بنظره الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظله المديد وعدله الوافر، ومطلع أنوار العز والسعادة من أفقه السافر؛ واسطة السلك من هذا النظام، والتاج المحلى في مفارق الدول والأيام، سيد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمة إحسانه الجزيل وإنعامه، وأطال في السعادة والخيرات المبداة المعادة لياليه وأيامه؛ لما أوسع الدين والملك نظراً جميلاً من عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقد الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، عين كلاءته، كما قلده الله رعايته وأقام حكام الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافراً عن آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، وأمنه على سلطانه ودولته، وهو الوفي- والحمد لله- بأمانته؛ ثم صرف نظره إلى بيوت الله يعنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النظر الجميل في إشادتها وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبث العلم من يؤهله لوظائفها ودروسها؛ فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى زهت الدولة بملكها ومصرها، وفاخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت الأواوين لإيوانها العالي وقصرها؛ فابتهج العالم سروراً بمكانها، واهتزت الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفل الرحمن، لمن اعتز به الإيمان، وصلح على يده الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها.
وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من سلف أمراء الترك، خفف الله حسابه وثقل في الميزان- يوم يعرض على الرحمن- كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصدقة الجارية وثوابه، عناية جدد لي لباسها، وإيثاراً بالنعمة التي صححت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت المرسوم، وانطلقت أقيم الرسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظ المقسوم. وأنا مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ بالله وبركة هؤلاء الحضور، السادة الصدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدعوى والزور، في شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه الحسنى وزيادة الحظ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته وذويه قرة عينه ورضى آماله، ويديم على السادة الأمراء ما خولهم من رضاه وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله.
وقد رأيت أن أقرر للقراءه في هذا الدرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، رضي الله عنه، فإنه من أصول السنن، وأمهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه.
فلنفتتح الكلام بالتعريف بمؤلفه- رضي الله عنه- ومكانه من الأمانة والديانة، ومنزلة كتابه "الموطأ" من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطرق التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيى بن يحيى، ونذكر أساندي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على متن الكتاب.
أما الإمام مالك- رضي الله عنه- فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز في الحديث والفقه غير منازع، والمقلد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصا أهل المغرب.
قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله. كان إماماً، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري.
وجده أبو عامر بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة؛ ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة؛ ويقال حثيل أوخثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم؛ ويقال حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث؛ وهو ذو أصبح. وذو اصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم معروف؛ فهو حميري صليبة، وقرشي حلفا. ولد سنة إحدى وتسعين- فيما قال ابن بكير، واربع وتسعين- فيما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ونشأ بالمدينة، وتفقه بها. إخذ عن ربيعة الرأي، وابن شهاب وعن عمه أبي سهيل، وعن جماعة ممن عاصرهم من التابعين وتابعي التابعين؛ وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله شاباً يناهز العشرين، وأقام مفتياً بالمدينة ستين سنة. واخذ عنه الجم الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى كثرة؛ وأعظم من أخذ عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وابن وهب، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وابن المبارك- في أمثال لهم وانظار. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة، وقال سحنون عن ابن نافع: توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة: كنا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله : "تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم اعلم من عالم المدينة" أنه مالك بن أنس.

وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، وقال: إذا جاءك الحديث فمالك أمير المؤمنين.
وقد ألف الناس فضائله كتباً، وشأنه مشهور.
وأما الذي بعثه على تصنيف "الموطأ"- فيما نقل أبو عمر بن عبد البر- فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عمل كتاباً على مثال "الموطأ"، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئاً من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا! ولو كنت أنا الذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حج أبو جعفر المنصور، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فصغ أنت للناس كتاباً ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة. قال مالك: فلقد علمني التأليف؛ فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنفه وسماه "الموطأ" أي المسهل. قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطاءة، أي صار وطيئاً؛ ووطأته توطئة؛ ولا يقال وطيته. ولما شغل بتصنيفه أخذ الناس بالمدينة يومئذ في تصنيف فوطات، فقال لمالك أصحائه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه الناس؛ وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمن أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله؛ فكأنما ألقيت تلك الكتب في الابار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته؛ فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن ضنف إلى هلم. وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه، ولم يختلف في ذلك إثنان. قال الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي: ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصح، وفي رواية أكثر صواباً، من "موطأ" مالك. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت كتاباً ألف في العلم أكثر صواباً من "موطأ" مالك.
وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لرواية عنه فمنها موطأ الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومنها موطأ مطرف بن عبد الله اليساري نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطأ عبد الرحمن بن القاسم رواه عنه سحنون بن سعيد؛ ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي. رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جم؛ وكان فيما أخذ عنه "الموطأ"، وأدخله الأندلس والمغرب؛ فأكب الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها، وعولوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب "الموطأ" وتفاسيرهم، ويشيرون إلى الرويات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها، فهجرت الروايات الأخرى، وسائر تلك الطرق، ودرست تلك الموطآت إلا موطأ يحيى ابن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقاً وغرباً.
وأما سندي في هذا الكتاب المتصل بيحيى بن فعلى ما أصفه:
حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرحالة أبو عبد الله محمد بن جابر ابن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد- ثلاثة من المحدثين- بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين وسبعمائة من هذه المائة الثامنة، مقدمه من السفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويين من فاس؛ فسمعت عليه بعضاً من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة إثنتين وستين وسبعمائة، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه؛ وكنت أنا القارىء فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدرا من كتاب " الموطأ"، وأجازنى بسائره إجازة أخرى.
ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا كفهم: حدثنا الشيخ المعفر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي.
وحدثني به أيضا شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكية ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، عن الإمام شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النقرات عن أبي الحسن على بن أحمد الكناني. قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن الصفار قاضي الجماعة بقرطبة.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:56   المشاركة رقم: 26 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

وكان طشتمر، دوادار يلبغا، قد لطف محلَّه عند السلطان الأشرف، وولي الدوادارية له، وكان يؤمّل الاستبداد كما كان أستاذه يلبغا، فكان يحتال في ذلك بجمع هؤلاء المماليك اليلبغاوية من حيث سقطوا، يريد بذلك اجتماعهم عصبة له على هواه، ويغري السلطان بها شفاها ورسالة، إلى أن اجتمع أكثرهم بباب السلطان الأشرف، وجعلهم في خدمة ابنه علي ولي عهده. فما كثروا، واخذتهم أريحية العز بعصبيتهم، صاروا يشتطون على السلطان في المطالب، ويعتزون بعصبية اليلبغاوية. واعتزم السلطان الأشرف عام سبعة وسبعين وسبعمائة على قضاء الفرض، فخرج لذلك خروجاً فخماً، واستناب ابنه عليّا على قلعته وملكه في كفالة قرطاي من أكابر اليلبغاوية، وأخرج معه الخليفة والقضاة. فلما بلغ العقبة اشتط المماليك في طلب جرايتهم من العلُّوفة والزّاد، واشتطَّ الذين بمصر كذلك في طلب أرزاقهم من المتولّين للجباية. وصار الذين مع السلطان إلى المكاشفة في ذلك بالأقوال والأفعال، وطشتمر الدوادار يغضي عنهم، يحسب وقت استبداده قد أزف، إلى أن راغمهم السلطان بالزجر؛ فركبوا عليه هنالك، وركب من خيالته مع لفيف من خاصته، فنضحوه بالنبل، ورجع إلى خيامه، ثم ركب الهجن مساء، وسار فصبّح. القاهرة، وعرّس هو ولفيفه بقبّة النّصر.
وكان قرطاي كافل ابنه عليّ المنصور حدث بينه وبين ناظر الخاص المقسي مكالمة عند مغيب السلطان أحقدته. وجاشت بما كان في نفسه؛ فأغرى عليّا المنصور بن السلطان بالتوثّب على المُلك، فارتاح لذلك وأجابه، وأصبح يوم ثورة المماليك بالعقبة؛ وقد أجلس عليَّا مكفوله بباب الاسطبل، وعقد له الراية بالنداء على جلوسه بالتخت؛ وبينما هم في ذلك، صبَّحهم الخبر بوصول السلطان الأشرف إلى قبة النصر ليلتئذ، فطاروا إليه زرافات ووحدانا، فوجدوا أصحابه نياما هنالك، وقد تسلل من بينهم هو ويلبغا الناصري من أكابر اليلبغاوية؛ فقطعوا رءوسهم جميعاً، ورجعوا بها تسيل دماً. ووجموا لفقدان الأشرف، وتابعوا النداء عليه، وإذا بامرأة قد دلَّتهم عليه في مكان عرفته؛ فتسابقوا إليه، وجاءوا به فقتلوه لوقته بخلع أكتافه، وانعقدت بيعة ابنه المنصور. وجاء طشتمر الدوادار من الغد بمن بقي بالعقبة من الحرم، ومخلّف السلطان، واعتزم على قتالهم طمعاً في الاستبداد الذي في نفسه؛ فدافعوه وغلبوه وحصل في قبضتهم، فخلعوا عليه بنيابة الشام، وصرفوه لذلك، وأقاموا في سلطانهم. وكان أينبك أميراً آخر من اليلبغاوية قد ساهم قرطاي في هذا الحادث، وأصهر إليه في بعض حرمه؛ فاستنام له قرطاي، وطمع هو في الاستيلاء. وكان قرطاي مواصلا صبوحه بغبوقه، ويستغرق في ذلك؛ فركب في بعض أيامه؛ وأركب معه السلطان عليا، واحتاز الأمر من يد قرطاي، وصيره إلى صفد، واسّتقّلّ بالدولة، ثم انتقض طشتمر بالشّام مع سائر أمرائه؛ فخرج أينبك في العساكر، وسرّح المقدّمة مع جماعة من الأمراء؛ وكان منهم برقوق وبركة المستوليان عقب ذلك؛ وخرج هو والسلطان في السّاقة؛ فلما انتهوا إلى بلبيس، ثار الأمراء الذين في المقدمة عليه، ورجع إليه أخوه منهزماً؛ فرجع إلى القلعة. ثم اختلف عليه الأمراء، وطالبوه بالحرب في قبة النصر؛ فسرّح العساكر لذلك؛ فلمّا فصلوا فرّ هو هارباً، وقبض عليه وثقف بالإسكندرية. واجتمع أمراء اليلبغاوية يقدمهم قطلقتمر العلائي، ويلبغا الناصري ودمرداش اليوسفي وبركة وبرقوق؛ فتصدى دمرداش ويلبغا وبركة وبرقوق، إلى الاستقلال بالأمر وتغلبوا على سائر الأمراء؛ واعتقلوهم بالاسكندرية. وفوضوا الأمر إلى يلبغا الناصري، وهم يرونه غير خبير، فأشاروا باستدعاء طشتمر، وبعثوا إليه، وانتظروا. فلما جاءه الخبر بذلك ظنها منية نفسه، وسار إلى مصر؛ فدفعوا الأمر إليه، وجعلوا له التولية والعزل وأخذ برقوق، وبركة يستكثران من المماليك، بالاستخدام والجاه، وتوفير الاقطاع، إكثافاً لعصبيتهما؛ فانصرفت الوجوه عن سواهما، وارتاب طشتمر بنفسه، وأغراه أصحابه بالتوثّب؛ ولما كان الأضحى في سنة تسع وسبعين وسبعمائة استعجل أصحابه على غير روية، وركبوا وبعثوا إليه فأحجم، وقاتلوا فانهزموا. وتقبض على طشتمر، وحبس بالإسكندرية، وبعث معه يلبغا الناصري، وخلت الدولة للأميرين برقوق وبركة من المنازعين، وعمروا المراتب بأصحابهما. ثم كثر شغب التركمان والعرب بنواحي الشام، فدفعوا يلبغا الناصري إلى النيابة بحلب ليستكفوا به في تلك الناحية. ثم تنافس برقوق وبركة في الاستقلال، وأضمر كل واحد منهما لصاحبه، وخشي معه، فقبض برقوق على بطانة بركة من عصابته ليحض بذلك جناحه؛ فارتاع لذلك بركة، وخرج بعصابته إلى قبة النصر ليواضع برقوقا وأصحابه الحرب هنالك، ورجا أن تكون الدائرة له. وأقام برقوق بمكانه من الاسطبل، وسرب أصحابه في جموعهم إلى مجاولة أولئك. وأقاموا كذلك أياماً يغادونهم ويراوحونهم ثلاثا، إلى أن عضت بركة وأصحابه الحرب؛ فانفضوا عنه، وجيء ببركة، وبعث به إلى الإسكندرية؛ فحبس هنالك إلى أن قتله ابن عرام نائب الإسكندرية. وارتفع اصحابه إلى برقوق شاكين؛ فثأرهم منه بإطلاق أيديهم في النصفة؛ فانتصفوا منه بقتله في ساحة القلعة، بعد ان سمر، وحمل على جمل عقابا له؛ ولم يقنعهم ذلك، فاطلق أيديهم فيما شاءوا منه، ففعلوا ما فعلوا. وانفرد برقوق- بعد ذلك- بحمل الدولة ينظر في اعطافها بالتهديد، والتسديد، والمقاربة، والحرص على مكافأة الدخل بالخرج. ونقص ما أفاض فيه بنو قلاوون من الإمعان في الترف، والسرف في العوائد والنفقات، حتى صار الكيل في الخرج بالمكيال الراجح، وعجزت الدولة عن تمشية أحوالها؛ وراقب ذلك كفه برقوق، ونظر في سد خلل الدولة منه، وإصلاحها من مفاسده، يعتد ذلك ذريعة للجلوس على التخت، وحيازة اسم السلطان من أولاد قلاوون، بما أفسد الترف منهم، وأحال الدولة بسببهم، إلى ان حصل من ذلك على البغية، ورضي به أصحابه وعصابته؛ فجلس على التخت في تاسع عشر رمضان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وتلقب بالظاهر. ورتب أهل عصابته في مراتب الدولة؛ فقام وقاموا بها احسن قيام، وانقلبت الدولة من آل قلاوون إلى برقوق الظاهر وبنيه. واستمر الحال على ذلك، ونافسه اليلبغاوية- رفقاؤه في ولاء يلبغا- فيما صار إليه من الأمر، وخصوصا يلبغا نائب حلب، فاعتزم على الانتقاض. وشعر به الظاهر فبعث باستدعائه؛ فجاء وحبسه مده، ثم رجعه إلى نيابة حلب، وقد وغر صدره من هذه المعاملة. وارتاب به الظاهر؛ فبعث سنة تسعين وسبعمائة دواداره للقبض عليه، ويستعين في ذلك بالحاجب. وانتقض، واستدعى نائب ملطية، وهو منطاش من أمراء اليلبغاوية، وكان قد انتقض قبله، ودعا نواب الشام إلى المسير إلى مصر إلبا على الظاهر؛ فأجابوه، وساروا في جملته، وتحت لوائه؛ وبلغ الخبر إلى الظاهر برقوق؛ فأخرج عساكره مع أمراء اليلبغاوية من اصحابه: وهم الدوادار الأكبر يونس، وجهركس الخليلي أمير الاسطبل، والأتابكي ايتمش، وايدكار حاجب الحجاب واحمد بن يلبغا أستاذهم. وخرج الناصري من حلب في عسكره، واستنفر العرب والتركمان وأمراء الشام؛ ولما تراءى الجمعان بناحية دمشق، نزع كثير من عسكر السلطان إليهم، وصدقوا الحملة على من بقي فانفضوا. ونجا أيتمش إلى قلعة دمشق؛ فدخلها، وقتل جهركس، ويونس، ودخل الناصري دمشق؛ ثم أجمع المسير إلى مصر، وعميت أنباؤهم حتى أطلوا على مصر.
وفي خلال ذلك أطلق السلطان الخليفة من محبسه كان بعض الغواة انمى عنه، أنه داخله شيطان من شياطين الجند، يعرف بقرط في قتل السلطان يوم ركوبه إلى الميدان قبل ملكه بسنين، فلما صح الخبر أمر بقتله، وحبس الخليفة سبعا إلى تلك السنة، فأطلقه عند هذا الواقع؛ ولما وصل إلى قيطا اجتمعت العساكر، ووقف السلطان أمام القلعة يومه حتى غشيه الليل، ثم دخل إلى بيته وخرج متنكرا، وتسرب في غيابات المدينة، وباكر الناصري وأصحابه القلعة، وأمير حاج بن الأشرف؛ فأعادوه إلى التخت ولقبوه المنصور. وبعثوا عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وكان فيهم الطنبغا الجوباني الذي كان أمير مجلس، وقبض السلطان الظاهر عليه، وحبسه أياما، ثم أطلقه وبعثه نائبا على دمشق، ثم ارتفعت عنه الأقوال بأنه يروم الانتقاض، وداخل الناصر في نائب حلب في ذلك، وأكد ذلك عند السلطان ما كان بينه وبين الناصري من المصافاة والمخالصة، فبعث عنه. ولما جاء حبسه بالإسكندرية؛ فلما ملك الناصري مصر، وأجلس أمير حاج بن الأشرف على التخت، بعث عنه ليستعين به على أمره؛ وارتابوا لغيبة الظاهر، وبالغوا في البحث عنه، فاستدعى الجوباني واستنام له، واستحلفه على الأمان؛ فحلف له، وجاء به إلى القلعة بعد أن ساور صاحبه الناصر في المضي إليه وتأمينه. وحبسوه في بعض قصور الملك، وتشاوروا في أمره؛ فأشار أمراء اليلبغاوية كلهم بقتله، وبالغ في ذلك منطاش، ووصل نعير أمير بني مهنا بالشام للصحابة بينه وبين الناصري، فحضهم على قتله، ومنع الجوباني من ذلك وفاء بيمينه، فغلت صدورهم منه. واعتزموا على بعثه إلى الكرك، ودافعوا منطاشا بأنهم يبعثونه إلى الإسكندرية، فيعترضه عند البحر بما شاء من رأيه. ووثق بذلك، فقعد له عند المرساة، وخالفوا به الطريق إلى الكرك، وولوا عليها نائبا واوصوه به؛ فأخفق مسعى منطاش، ودبر في اغتيال الدولة، وتمارض في بيته. وجاءه الجوباني عائذا فقبض عليه، وحبسه بالإسكندرية، وركب منتقضا، ووقف عند مدرسة الناصر حسن يحاصر الناصري بالقلعة. واستحاش هو بأمراء اليلبغاوية؛ فداهنوا في إجابته، ووقفوا بالرميلة أمام القلعة. ولم يزل ذلك بينهم أياما حتى انفض جمع الناصري، وخرج هاربا؛ فاعترضه اصحاب الطريق بفارسكو، وردوه؛ فحبسه منطاش بالإسكندرية مع صاحبه، واستقل بأمر الملك. وبعث إلى الكرك بقتل الظاهر؛ فامتنع النائب، واعتذر بوقوفه على خط السلطان والخليفة والقضاة. وبث الظاهر عطاءه في عامة أهل الكرك؛ فانتدبت طائفة منهم لقتل البريدي الذي جاء في ذلك؛ فقتلوه؛ وأخرجوا الظاهر من محبسه فأصحروا. واستألف أفاريق من العرب، واتصل به بعض مماليكه، وسار إلى الشام. واعترضه ابن باكيش نائب غزة، فأوقع به الظاهر، وسار إلى دمشق، واخرج منطاش العساكر مع سلطانه أمير حاج، وسار على التعبئة ليمانع الظاهر عن دمشق. وسبقه الظاهر فمنعه جنتمر نائب دمشق؛ فواقعه، وأقام محاصرا له. ووصل إليه كمشبغا الحمّوي نائب حلب، وكان اظهر دعوته في عمله، وتجهز للقائه بعسكره؛ فلقيه وأزال علله، فأقام له أبهة الملك. وبينا هم في الحصار إذ جاء الخبر بوصول منطاش بسلطانه وعساكره لقتالهم، فلقيهم الظاهر بشقحب، فلما تراءى الجمعان، حمل الظاهر على السلطان أمير حاج وعساكره ففضهم، وانهزم كمشبغا إلى حلب. وسار منطاش في اتباعه؛ فهجم الظاهر على تعبئة أمير حاج؛ ففضها، واحتاز السلطان، والخليفة والقضاة، ووكل بهم. واختلط الفريقان، وصاروا في عمياء من أمرهم، وفر منطاش إلى دمشق. واضطرب الظاهر أخبيته، ونزل على دمشق محاصرا لها. وخرج إليه منطاش من الغد فهزمه، وجمع القضاة والخليفة؛ فشهدوا على أمير حاج بالخلع، وعلى الخليفة بإعادة الظاهر إلى ملكه. ورحل إلى مصر فلقيه بالطريق خبر القلعة بمصر، وتغلب مماليكه عليها؛ وذلك أن القلعة لما خلت من السلطان ومنطاش والحامية، وكان مماليك السلطان محبوسين هنالك في مطبق أعد لهم، فتناجوا في التسور منه إلى ظاهره، والتوثب على القلعة والملك، فخرجوا، وهرب دوادار منطاش الذي كان هنالك بمن كان معه من الحاشية. وملك مماليك الظاهر القلعة، ورأسهم مملوكه بطا، وساس امرهم، وانتظر خبر سلطانه، فلما وصل الخبر بذلك إلى الظاهر، أغذ السير إلى مصر. وتلقاه الناس فرحين مسرورين بعوده وجبره. ودخل منتصف صفر من سنة إحدى وتسعين، وولى بطا دوادارا، وبعث عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وأعتبهم، وأعادهم إلى مراتبهم. وبعث الجوباني إلى دمشق، والناصري إلى حلب كما كانا، وعادت الدولة إلى ما كانت عليه. وولى سودون على نيابته، وكان ناظرا بالخانقاه التي كنت فيها، وكان ينقم علي أحوالا من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء ازمان كنت عليه، ومن تصرفات دواداره بالخانقاه، وكان يستنيبه عليها؛ فوغر صدره من ذلك؛ وكان الظاهر ينقم علينا معشر الفقهاء فتاوى استدعاها منا منطاش، واكرهنا على كتابها؛ فكتبناها، وورينا فيها بما قدرنا عليه. ولم يقبل السلطان ذلك، وعتب عليه، وخصوصا علي؛ فصادف سودون منه إجابة في إخراج الخانقاه عني، فولى فيها غيري وعزلني عنها. وكتبت إلى الجوباني بأبيات أعتذر عن ذلك ليطالعه بها؛ فتغافل عنها، وأعرض عني مدة، ثم عاد إلى ما أعرف من رضاه وإحسانه، ونص الأبيات:

سيدي والظنون فيك جميلة وأياديك بالأماني كفيله

لا تحل عن جميل رأيك إني ما لي اليوم غير رأيك حيله

واصطنعني كما اصطنعت بإسداء يد من شفاعة أو وسيله

لا تضعني فلست منك مضيعا ذمة الحب، والأيادي الجميله

وأجرني فالخطب عض بنابيه وأجرى إلى حماي خيوله

ولو أني دعا بنصري داع كنت لي خير معشر وفصيله

أنه أمري إلى الذي جعل الله أمور الدنيا له مكفوله

وأراه في ملكه الآية الكبرى فولاه ثم كان مديله

أشهدته عناية الله في التمحيص أن كان عونه ومنيله

العزيز السلطان والملك الظا هر فخر الدنيا وعز القبيله

ومجير الإسلام من كل خطب كاد زلزال بأسه أن يزيله

ومديل العدو بالطعنة النجلا ء تفري ماذيه ونصوله

وشكور لأنعم الله يفني في رضاه غدوه وأصيله

وتلطف في وصف حالي وشكوى خلتي يا صفيه وخليله

قل له والققالُ يَكرمُ من مثْلك في مَحفِل العُلا أن يَقُولَه

يا خوندَ الملوك يا معدل الذَهر إِذا عَدل الزمان فُصُولَه

لا تقصِّر في جَبر كسْرى فما زِلْتُ أرجيك للأيادي الطَويلَة

أنا جارٌ لكم منعتم حماه ونَهجتم إلى المعالي سَبليه

وغريب أنَستَموه على الوَحْشة والحُزْن بالرضى والسُّهولَه

وجَمعتم من شمله فقضى الله فراقاً وما قَضَى مأمولَه

غالَه الدّهرُ في البنين وفي الأهـل وما كان ظنُّه أن يَغُوله

ورمته النَّوَى فقيداً قد اجْتَاحت عليه فُروعَه وأُصولَه

فجذبتم بضَيْعِه وأنَلتُم كل ما شاءت العُلَا أن تُنيلَه

ورفعتم من قدره قبل أن يشكو إِليكم عَياءَه وخُمُولَه

وفرضتم له حقيقةَ وُدٍّ حاش لله أن تُرَى مُسْتَحِيلَه

همةٌ ما عرفتُها لسواكم وأنا من خَبرتُ دَهرِي وجِيلَه

والعِدا نمَّقوا أحاديث إِفْكٍ كلها في طرائق معلولَه

روًجوا في شأني غرائب زور نصبوها لأمرهم أُحبُولَه

ورَموا بالذي أرادوا من البهتان ظناً بأنها مقبولَة

زعموا أنني أتيت من الأقوال ما لا يظنُ بي أن أقولَه

كيف لي أغمطُ الحقوق وأنِّي شكرُ نَعماكم عليّ الجزيله ؟

كيفَ لي أنكرُ الأيادي التي تعرِفها الشمْسُ والظِّلالُ الظليله ؟

إن يكن ذا فقد برئتُ من الله تعالى رخُنتُ جهراً رسولَه

طوقونا أمر الكتاب فكانت لقداح الظنون فينا مُجيلَه

لا ورَبِّ الكتاب أنزله الله على قلب من وعَى تنزيلَه

ما رضينا بذاك فعلاً ولا جئنا طوعاً ولا اقتفينا دليلَه

إِنما سامنا الكتابَ ظَلُوم لا يُرَجَّى دِفاعًه بالحِيلَه

سَخطٌ ناجزٌ وحِلمٌ بَطيءٌ وسلاح للوْخز فينا صَقِيلَه

ودعوني ولست من مَنْصِب الحكم ولا سَاحباً لَدَيهم ذُيولَه

غيرَ أنَي وشَى بذكريَ واش يَتَقَصَّ أوتارَه وذُحُوله

فكتبنا معوِّلين على حلمك تمحو الاصار عَنَا الثَّقيلَه

ما أشرنا بهِ لِزيد ولا عمرو ولا عينوا لنا تفصيله

إِنما يذكرون عمَّن وفيمَن مُبْهماتٍ أحكامُها منقولَه

ويظنُّون أنَ ذاك على ما أضمروا من شناعةٍ أو رذيله

وهْو ظن عن الصًواب بعيدٌ وظلَامٌ لم يُحْسِنُوا تأويلَه

وجناب السُّلطان نزَهه الله عن العاب بالهُدَى والفضيلهَ

وأجَلُّ الملوك قدراً صفوحٌ يَرْتَجي ذنبَ دَهره ليُقِيلَه

فاقبلوا الغذرَ إِنَّنا اليوم نرجُو بحياةِ السُلطان منكُم قبُولَه

وأعينوا على الزمان غريباً يشتكي جَدْب عَيشِه ومُحُولَه

جارُكم ضيفُكم نزيلُ حِماكم لا يُضيعُ الكريمُ يوماً نَزِيلَه

جَدِّدوا عندَه رُسومَ رضاكم فَرُسُومُ الكرام غَيرُ مُحيلَه

داركوه برحمة فلقد أمسَتْ عقودُ اصطباره محلولَه

وانحَلوه جَبْرا فليس يُرجِّي غيرَ إحسانكم لهَذِي النحِيلَه

يا حميدَ الآثار في الدهر يا ألطْنبُغا يا رَوْض العُلاَ ومَقِيلَه

كيفَ بالخانِقاه ينقلُ عنَي لا لذَنب أو جُنْحَةٍ مَنقولَه

بل تقلَّدتُها شَغُوراً بمرسُوم شَريفٍ وخِلعة مَسْدُولَه

ولقد كنت آملًا لسواها وشواها بوْعدِه أن ينِيلَه

وتوثَّقتُ للزمان علَيْها بعقود ما خِلتُها محلولَه

أبلغن قِصَّتي فمثلُك من يقصد فعل الحسنى بمن ينتمي لَه

واغنموا من مثوبتي ودعائي قُربَةً عند ربكم مقبوله
وفي التَّعريض بسَفَره إلى الشام :
واصحَب العزَ ظافرأ بالأماني واترُك العُصبةَ العِدا مَفْلولَه

واعتَمِل في سعادة الملك الظاهر أن تَمحو الأذَى وتُزيِلَه

وتُعيدَ الدُّنيا لأحْسَن شَمْلٍ حين تُضْحِي بسَعْده مشمُولَه

واطلُب النَّصر من سَعادته يصحَبْك داباً في الظعن والحَيلُولَه

وارتَقِب ما يُحِلُّه بالأعادي في جُمادَى أو زد علَيه قَليلَه

وخذوه فألا بحسن قبول صدق الله في الزمان مقوله

فلقد كان يحسن الفال عند المصطفى دائما ويرضى جميله


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:56   المشاركة رقم: 27 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

السعاية في المهاداة والاتحاف بين ملوك المغرب والملك الظاهر:
كثيرا ما يتعاهد الملوك المتجاورون بعضهم بعضا بالإتحاف بطرف أوطانهم، للمواصلة والإعانة متى دعا إليها داع. وكان صلاح الدين بن أيوب هادى يعقوب المنصور ملك المغرب من بني عبد المؤمن، واستجاش به بأسطوله في قطع مدد الفرنج عن سواحل الشام حين كان معنيا بإرجاعهم عنها، وبعث في ذلك رسوله عبد الكريم بن منقذ من أمراء شيزر، فأكرم المنصور رسوله، وقعد عن إجابته في الأسطول لما كان في الكتاب إليه من العدول عن تخطيطه بأمير المؤمنين؛ فوجدها غصة في صدره منعته مي إجابته إلى سؤاله؛ وكان المانع لصلاح الذين من ذلك كاتبه الفاضل عبد الرحيم البيساني بما كان يشاوره في أفوره، وكان مقيما لدعوة الخليفة العباسي بمصر؛ فرأى الفاضل أن الخلافة لا تنعقد لإثنين في الملة كما هو المشهور، وإن اعتمد أهل المغرب سوى ذلك، لما يرون أن الخلافة ليست لقبا فقط، وإنما هي لصاحب العصبية القائم عليها بالشدة والحماية؛ والخلاف في ذلك معروف بين أهل الحق. فلما انقرضت دولة الموحدين، وجاءت دولة بني مرين من بعدهم، وصار كبراؤهم ورؤساؤهم يتعاهدون قضاء فرضهم لهذه البلاد الشرقية، فيتعاهدهم ملوكها بالإحسان إليهم، وتسهيل طريقهم؛ فحسن في مكارم الأخلاق انتحال البر والمواصلة، بالإتحاف والاستطراف والمكافأة في ذلك بالهمم الملوكية؛ فسنت لذلك طرائق وأخبار مشهورة، من حقها أن تذكر؛ وكان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق ثالث ملوك بني مرين، أهدى لصاحب مصر عام سبعمائة، وهو يومئذ الناصر بن محمد بن قلاوون، هدية ضخمة، اصحبها كريمة من كرائم داره، احتفل فيها ما شاء من أنواع الطرف، وأصناف الذخائر، وخصوصا الخيل والبغال.
أخبرني الفقيه أبو إسحق الحسناوي، كاتب الموحدين بتونس، أنه عاين تلك الهدية عند مرورها بتونس، قال: وعددت من صنف البغال الفارهة فيها أربعمائة، وسكت عما سوى ذلك. وكان مع هذه الهدية من فقهاء المغرب، أبو الحسن التنسي كبير أهل الفتيا بتلمسان ثم كافأ الناصر عن هذه الهدية بأعلى منها وأحفل مع أميرين من أمراء دولته، أدركا يوسف بن يعقوب وهو يحاصر تلمسان، فبعثهما إلى مراكش للنزاهة في محاسنها، وأدركه الموت في مغيبهما، ورجعا من مراكش؛ فجهزهما حافده أبو ثابت المالك بعده، وشيعهما إلى مصر؛ فاعترضتهما قبائل حصين ونهبوهما، ودخلا بجاية، ثم مضيا إلى تونس، ووصلا من هنالك إلى مصر.
ولما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان، اقترحت عليه جارية أبيه أبي سعيد، وكانت لها عليه تربية؛ فأرادت الحج في أيامه وبعنايته؛ فأذن لها في ذلك، وبعث في خدمتها وليه عريف بن يحيى من أمراء سويد، وجماعة من أمرائه وبطانته، واستصحبوا هدية منه للملك الناصر احتفل فيها ما شاء. وانتقى من الخيل العتاق، والمطايا الفره وقماش الحرير والكتان، والصوف ومدبوغ الجلود الناعمة، والأواني المتخذة من النحاس والفخار المخصوص كل مصر من المغرب بأصناف من صنائعها، متشابهة الأشكال والأنواع، حتى لقد زعموا أنه كان فيها مكيلة من اللآلىء والفصوص، وكان ذلك وقر خمس مائة بعير، وكانت عتاق الخيل فيها خمس مائة فرس، بالسروج الذهبية المرصعة بالجواهر، واللجم المذهبة، والسيوف المحلاة بالذهب واللآلىء؛ كانت قيمة المركب الأول منها عشرة آلاف دينار، وتدرجت على الولاء إلى آخر الخمس مائة؛ فكانت قيمته مائة دينار. تحدث الناس بهذه الهدية دهراً، وعرضت بين يدي الملك الناصر، فأشار إلى خاسكيته بانتهابها فنهبت بين يديه، وبولغ في كرامة أولئك الضيوف، في إنزالهم وقراهم وأزوادهم إلى الحجاز والى بلادهم؛ وبقي شأن الهدية حديثا يتجاراه الناس في مجالسهم وأسمارهم؛ وكان ذلك عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. ولما فصل أرسال ملك المغرب، وقد قضوا فرضهم، بعث الملك الناصر معهم هدية كفاء هديتهم، وكانت أصنافها حمل القماش من ثياب الحرير والقماش المصنوعة بالإسكندرية، تحمل كل عام إلى دار السلطان، قيمة ذلك الحمل خمسون ألف دينار، وخيمة من خيام السلطان المصنوعة بالشام على مثال القصور، تشتمل على بيوت للمراقد، واواوين للجلوس والطبخ، وأبراج للإشراف على الطرقات، وأبراج أحدها لجلوس السلطان للعرض؛ وفيها تمثال مسجد بمحرابه، وعمده، ومأذنته؛ حوائطها كلها من خرق الكتان الموصولة بحبك الخياطة مفضلة على الأشكال التي يقترحها المتخذون لها. وكان فيها خيمة أخرى مستديرة الشكل،، عالية السمك، مخروطة الرأس، رحبة الفناء، تظل خمس مائة فارس أو أكثر، وعشرة من عتاق الخيل بالمراكب الذهبية الضقيلة، ولجمها كذلك؛ ومرت هذه الهدية بتونس، ومعها الخدام القائمون بنصب الأبنية، فعرضوها على السلطان بتونس. وعاينت يومئذ أصناف تلك الهدية، وتوجهوا بها إلى سلطانهم، وبقي التعجب منها دهرا على الألسنة. وكان ملوك تونس من الموحدين، يتعاهدون ملوك مصر بالهدية في الأوقات.
ولما وصلت إلى مصر، واتصلت بالملك الظاهر، وغمرني بنعمه وكرامته، كاتبت السلطان بتونس يومئذ، وأخبرته بما عند الملك الظاهر من التشوف إلى جياد الخيل، وخصوصا من المغرب، لما فيها من تحمل الشدة والصبر على المتاعب، وكان يقول مثل ذلك، وأن خيل مصر قصرت بها الراحة والتنعم، عن الصبر على التعب؛ فحضضت السلطان بتونس على إتحاف الملك والظاهر بما ينتقيه من الجياد الرائعة، فبعث له خمسة انتقاها من مراكبه، وحملها في البحر في السفين الواصل بأهلي وولدي؛ فغرقت بمرسى الإسكندرية، ونفقت تلك الجياد، مع ما ضاع في ذلك السفين، وكل شيء بقدر.
ثم وصل إلينا عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة شيخ الأعراب: المعقل بالمغرب، يوسف بن علي بن غانم، كبير أولاد حسين ناجياً من سخط السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم، من ملوك بني مرين بفاس، لروم قضاء فرضه، ويتوسل بذلك لرضى سلطانه؛ فوجد السلطان غائبا بالشام في فتنة منطاش؛ فعرضته لصاحب المحمل. فلمّا عاد من قضاء فرضه، وكان السلطان قد عاد من الشام، فوصلته به، وحضر بين يديه، وشكا بثه؛ فكتب الظاهر فيه شفاعة لسلطان وطنه بالمغرب، وحفله مع ذلك هدية إليه من قماش وطيب وتسي، وأوصاه بانتقاء الخيل له من قطر المغرب، وانصرف؛ فاقبل سلطانه فيه شفاعة الظاهر، وأعاده إلى منزلته. وانتقى الخيول الرائعة لمهاداة الملك الظاهر، وأحسن في انتقاء أصناف الهدية؛ فعاجلته المنية دون ذلك، وولي ابنه أبو فارس، وبقي أياما ثم هلك، وولى أخوه أبو عامر، فاستكمل الهدبة، وبعثها صحبة يوسف بن علي الوارد الأول.
وكان السلطان الملك الظاهر، لما أبطأ عليه وصول الخيل من المغرب، أراد أن يبعث من أمرائه من ينتقي له ما يشاء بالشراء، فعين لذلك مملوكا من مماليكه منسوبا إلى تربية الخليلي، اسمه قطلوبغا، وبعث عني، فحضرت بين يديه، وشاورني في ذلك فوافقته، وسألني كيف يكون طريقه، فأشرت بالكتاب في ذلك إلى سلطان تونس من الموحدين، وسلطان تلمسان من بني عبد الواد، وسلطان فاس والمغرب من بني مرين، وحمله لكل واحد منهم هدية خفيفة من القماش والطيب والقسي، وانصرف عام تسعة وتسعين وسبعمائة إلى المغرب، وشيعه كل واحد من ملوكه إلى مأمنه. وبالغ في إكرامه بما يتعين. ووصل إلى فاس، فوجد الهدية قد استكملت، ويوسف بن علي على المسير بها عن سلطانه أبي عامر من ولد السلطان أبي العباس المخاطب أولا. وأظلهم عيد الأضحى بفاس، وخرجوا متوجهين إلى مصر، وقد أفاض السلطان من إحسانه وعطائه، على الرسول قطلوبغا ومن في جملته بما أقر عيونهم، وأطلق بالشكر ألسنتهم، وملأ بالثناء ضمائرهم، ومروا بتلمسان، وبها يومئذ أبو زئان، ابن السلطان أبي حمّو من آل يغمراسن بن زيان، فبعث معهم هدية أخرى من الجياد بمراكبها، وكان يحوك الشعر، فأمتدح الملك الظاهر بقصيدة بعثها مع هديته، ونصها من أولها إلى اخرها:

لمن الركاب سيرهن ذميل

يا أيها الحادي رويدك إنها

رفقا بمن حملته فوق ظهورها

لله آية أنجم: شفافة

شهب بآفاق الصدور طلوعها

في الهودج المزرور منها غادة

فكأنها قمر على غصن على

ثارت مطايا فثار بي الهوى

أومت لتوديعي فغالب عبرتي

دمع أغيض منه خوف رقيبها

ويح المحب وشت به عبراته

صان الهوى وجفونه يوم النوى

وتهابه أسد الشرى في خيسها

والصبر- إلا بعدهن- جميل

ظعن يميل القلب حيث تميل

فالحسن فوق ظهورها محمّول

تنجاب عنها للظلام سدول

ولها بأستار الجدول أفول

تزع الدجى بجبينها فيحول

متني كثيب والكثيب مهيل

واعتاد قلبي زفرة وغليل

نظر تخالسه العيون كليل

طورا ويغلبني الأسى فيسيل

فكأنها قال عليه وقيل

لمصون جوهر دمعهن تذيل

ويروعه ظبي الحمى المكحول

تأبى النفوس الضيم إلا في الهوى

يا بانة الوادي ويا أهل الحمى


ما لي إذا هب النسيم من الحمى

خفوا الضبا يخلص إلي نسيمها

ما لي أحلأ عن ورود محله

والباب ليس بمرتج عن مرتج

فالحر عبد والعزيز ذليل

هل ساعة تصغين لي فأقول

أرتاح شوقا للحمى وأميل

إن الصبا لصبابتي تعليل

وأذاد عنه وورده منهول

والظن في المولى الجميل جميل

من لي بزورة روضة الهادي الذي

هو أحمد ومحمد والمصطفى

يا خير من أهدى الهدى وأجل من

وحي من الرحمن يلقيه على

مدحتك آيات الكتاب وبشرت

جملة الصلاة عليك تحلو في فمي

فوربعك المأهول إن بأضلعي

هل من سبيل للسرى حتى أرى

حتام تمطلني الليالي وعدها

ما عاقني إلا عظيم جرائمي

أنا مغرم فتعطفوا أنا مذنب

وأنا البعيد فقربوا والمستجير

يا سائقاً نحو الحجاز حمّولة

لمحمد بلغ سلام سميه

وسل الإله له اغتفار ذنوبه

ما مثله في المرسلين رسول

والمجتبى وله انتهى التفضيل

أثنى عليه الوحي والتنزيل

قلب النبي محمد جبريل

بقدومك التوراة والإنجيل

مهما تكرر ذكرك المعسول

قلبا بحبك ربعه مأهول

خير الورى فهو المنى والسول

إن الزمان بوعده لبخيل

إن الجرائم حملهن ثقيل

فتجاوزوا أنا عاثر فأقيلوا

فأمنوا والمرتجى فأنيلوا

والقلب بين حمّوله محمّول

فذمامه بمحمد موصول

يسمع هناك دعاؤك المقبول

وعن المليك أبي سعيد فلتنب

متحمل لله كسوة بيته

سعد المليك أبي سعيد إنه

فلكم له نحو الرسول رسول

يا حبذاك المحمل المحمّول

سيف على أعدائه مسلول

ملك بجح المغرب الأقصىبه فلهم به نحو الرسول وصول

ملك به نام الأنام وأمنت سبل المخاف فلا يخاف سبيل

فالملك ضخم والجناب مؤمل والفضل جم والعطاء جزيل

والصنع أجمل والفخار مؤثل والمجد أكمل والوفاء أصيل

يا مالك البحرين بلغت المنى قد عاد مصر على العراق يصول

يا خادم الحرمين حق لك الهنا فعليك من روح الإله قبول

يا متحفي ومفاتحي برسالة سلسالة يزهى بها الترسيل

أهديتها حسناء بكرا ما لها غيري، وإن كثر الرجال، كفيل

ضاء المداد من الوداد بصحفها حتى اضمحل عبوسه المجبول

جمعت وحاملها بحضرتنا كما جمعت بثينة في الهوى وجميل

وتأكدت بهدية ودية هي للإخاء المرتضى تكميل

اطلعت فيها للقسي أهلة يرتد عنها الطرف وهو كليل

وحسام نصر زاهيا بنضاره راق العيون فرنده المعسول

ماضي الشبا لمصابه تعنو الظبا فبه تصول على العدا وتطول

وبدائع الحلل اليمانية التي روى معاطفها بمصر النيل

فأجلت فيها ناظري فرأيتها تحفا يجول الحسن حيث تجول

جلت محاسنها فأهوى نحوها بفم القبول اللثم والتقبيل

يا مسعدي وأخي العزيز ومنجدي ومن القلوب إلى هواه تميل

إن كان رسم الود منك مذيلا بالبر وهو بذيله موصول

فنظيره عندي وليس يضيره بمعارض وهم ولا تخييل

ود "يزيد" و"ثابت " شهدابه و "لخالد" بخلوده تذييل

وإليكها تنبيك صدق مودتي صح الدليل ووافق المدلول

فإذا بذاك المجلس السامي سمت فلديك إقبال لها وقبول

دام الوداد على البعاد موصلا بين القلوب وحبله موصول

وبقيت في ندم لديك مزيدها وعليك يضفو ظلها المسدول


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:56   المشاركة رقم: 28 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ثم مروا بعدها بتونس، فبعث سلطان تونس أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي العباس من ملوك الموحدين، هدية ثالثة انتقى لها جياد الخيل، وعزز بها هدية السلطانين وراءه، مع رسوله من كبار الموحدين أبي عبد الله بن تافراكين؛ ووصلت الهدايا الثلاث إلى باب الملك الظاهر في آخر الله، وعرضت بين يدي السلطان، وانتهب الخاسكية ما كان فيها من الأقمشة والسيوف والبسط ومراكب الخيك، وحمل كثيرا منهم على كثير من تلك الجياد وارتبط الباقيات.
وكانت هدية صاحب المغرب تشتمل على خمسة وثلاثين من عتاق الخيل بالسروج واللجم الذهبية، والسيوف المحلاة، وخمسة وثلاثين حملا من أقمشة الحرير والكتان والصوف والجلد، منتقاة من أحسن هذه الأصناف.
وهدية صاحب تلمسان تشتمل على ثلاثين من الجياد بمراكبها المموهة، وأحمالا من الأقمشة.
وهدية صاحب تونس تشتمل على ثلاثين من الجياد مغشاة ببراقع الثياب من غير مراكب، وكلها أنيق في صنعه مستطرف في نوعه؛ وجلس السلطان يوم عرضها جلوسا فخما في إيوانه، وحضر الرسل، وأدوا ما يجب عن ملوكهم. وعاملهم السلطان بالبر والقبول، وانصرفوا إلى منازلهم للجرايات الواسعة، والأحوال الضخمة. ثم حضر وقت خروج الحاج؛ فاستأذنوا في الحج مع محمل السلطان، فاذن لهم، وارغد أزودتهم. وقضوا حجهم، ورجعوا الى حضرة السلطان ومعهود مبرته. ثم انصرفوا إلى مواطنهم، وشيعهم من بر السلطان وإحسانه، ما ملأ حقائبهم، وأسنى ذخيرتهم، وحصل لي أنا من بين ذلك في الفخر ذكر جميل بما تناولت بين هؤلاء الملوك من السعي في الوصلة الباقية على الأبد، خمدت الله على ذلك.
ولاية القضاء الثانية بمصر.
ما زلت، منذ العزل عن القضاء الأول سنة سبع وثمانينوسبعمائة، مكبا على الاشتغال بالعلم، تأليفا وتدريساً؛ والسلطان يولي في الوظيفة من يراه أهلا متى دعاه إلى ذلك داع، من موت القائم بالوظيفة، أو عزله؛ وكان يراني الأولى بذلك، لولا وجود الذين شغبوا من قبل في شأني، من أمراء دولته، وكبار حاشيته، حتى انقرضوا. واتفقت وفاة قاضى المالكية إذ ذاك ناصر الدين بن التنسي، وكنت مقيما بالفيوم لضم زرعي هنالك؛ فبعث عني، وقلدني وظيفة القضاء في منتصف رمضان من سنة إحدى وثمانمائة؛ فجريت على السنن المعروف مني، من القيام بما يجب للوظيفة شرعا وعادة؛ وكان رحمه الله يرضى بما يسمع عني في ذلك. ثم أدركته الوفاة في منتصف شوال بعدها، وأحضر الخليفة والقضاة والأمراء، وعهد إلى كبير أبنائه فرج، ولإخوته من بعده واحدا واحدا، وأشهدهم على وصيته بما أراد. وجعل القائم بأمر ابنه في سلطانه إلى أتابكه أيتمش، وقضى رحمة الله عليه، وترتبت الأمور من بعده كما عهد لهم، وكان النائب بالشام يومئذ أمير من خاسكية السلطان يعرف بتنم، وسمع بالواقعات بعد السلطان فغص أن لم يكن هو كافل ابن الظاهر بعده، ويكون زمام الدولة بيده. وطفق سماسرة الفتن يغرونه بذلك، وبينما هم في ذلك إذ وقعت فتنة الأتابك أيتمش، وذلك أنه كان للأتابك دوادار غر يتطاول إلى الرئاسة، ويترفع على أكابر الدولة بحظه من أستاذه، وما له من الكفالة على السلطان؛ فنقموا حالهم مع هذا الدَّوادار، وما يسومهم به من الترفع عليهم، والتعرض لإهمال نصائحهم؛ فأغروا السلطان بالخروج عن ربقه الحجر، وأطاعهم في ذلك، وأحضر القضاة بمجلسه للدعوى على الأتابك باستغنائه عن الكافل، بما علم من قيامه بأمره وحسن تصرفاته. وشهد بذلك في المجلس أمراء أبيه كافة، وأهل المراتب والوظائف منهم، شهادة قبلها القضاة. وأعذروا إلى الأتابك فيهم فلم يدفع في شيء من شهادتهم، ونفذ الحكم يومئذ برفع الحجر عن السلطان في تصرفاته وسياسة ملكه، وانفضّ الجمع، ونزل الأتابك من الاسطبل إلى بيت سكناه. ثم عاود الكثير من الأمراء نظرهم فيما أتوه من ذلك؛ فلم يروه صوابا، وحملوا الأتابك على نقضه، والقيام بما جعل له السلطان من كفالة ابنه في سلطانه. وركب، وركبوا معه في آخر شهر المولد النبوي، وقاتلهم أولياء السلطان فرج عشي يومهم وليلتها؛ فهزموهم، وساروا إلى الشام مستصرخين بالنائب تنم، وقد وقر في نفسه ما وقر من قبل؛ فبر وفادتهم، وأجاب صريخهم. واعتزموا على المضي إلى مصر. وكان السلطان لما انفضت جموع الأتابك، وسار إلى الشام، اعتمله في الحركة والسفر لخضد شوكتهم، وتفريق جماعتهم؛ وخرج في جمادى حش انتهى إلى غزة، فجاءه الخبر بأن نائب الشام تنم، والأتابك، والأمراء الذين معه، خرجوا من الشام زاحفين للقاء السلطان، وقد احتشدوا واوعبوا، وانتهوا قريبا من الرملة؛ فراسلهم السلطان مع قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوي، وناصر الدين الرماخ، أحد المعلمين لثقافة الرماح، يعذر إليهم، ويحملهم على اجتماع الكلمة، وترك الفتنة، وإجابتهم إلى ما يطلبون من مصالحهم؛ فاشتطوا في المطالب، وصمموا على ما هم فيه. ووصل الرسولان بخبرهم، فركب السلطان من الغد، وعبى عساكره، وصمم لمعاجلتهم؛ فلقيهم أثناء طريقه، وهاجمهم فهاجموه، ثم ولوا الأدبار منهزبين. وصرع الكثير من أعيانهم وأمرائهم في صدر موكبه، فما غشيهم الليل إلا وهم مصفدون في الحديد، يقدمهم الأمير تنم نائب الشام واكابرهم كلهم. ونجا الأتابك أيتمش إلى القلعة بدمشق، فآوى إليها، واعتقله نائب القلعة. وسار السلطان إلى دمشق؛ فدخلها على التعبئة في يوم أغر، وأقام بها أياما، وقتل هؤلاء الأمراء المعتقلين، وكبيرهم الأتابك ذبحا، وقتل تنم من بينهم خنقا، ثم ارتحل راجعا إلى مصر.
وكنت استأذنت في التقدم إلى مصر بين يدي السلطان لزيارة بيت المقدس، فأذن لي في ذلك. ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد، وتبركت بزيارته والصلاة فيه، وتعففت عن الدخول إلى القمامة لما فيها من الإشادة بتكذيب القرآن، إذ هو بناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول إليه. وقضيت من سنن الزيارة ونافلتها ما يجب، وانصرفت إلى مدفن الخليل عليه السلام. ومررت في طريقي إليه ببيت لحم، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد المسيح، شيدت القياصرة عليه بناء بسماطين من العمد الصخور، منجدة مصطفة، مرقوما على رؤوسها صور ملوك القياصرة، وتواريخ دولهم، ميسرة لمن يبتغي تحقيق نقلها بالتراجمة العارفين لأوضاعها؛ ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك القياصرة وضخامة دولتهم. ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزة، وارتحلت منها، فوافيت السلطان بظاهر مصر، ودخلت في ركابه اواخر شهر رمضان سنة إثنين وثمانمائة. وكان بمصر فقيه من المالكية يعرف بنور الدين بن الخلال، ينوب أكثر أوقاته عن قضاة القضاة المالكية؛ فحرضه بعض أصحابه على السعي في المنصب، وبذل ما تيسر من موجوده لبعض بطانة السلطان الساعين له في ذلك، فتفت سعايته في ذلك، ولبس منتصف المحرم سنة ثلاث وثنانمائة؛ ورجعت أنا للاشتغال بما كنت مشتغلا به من تدريس العلم وتأليفه، إلى أن كان السفر لمدافعة تمر عن الشام.
سفر السلطان إلي الشام لمدافعة الطَّطَر عن بلاده:
هؤلاء الطَّطَر من شعوب الترك، وقد اتفق النسابه والمؤرخون على أن أكثر أمم العالم فرقتان، وهما: العرب والترك، وليس في العالم أمة أوفر منهما عدداً، هؤلاء في جنوب الأرض، وهؤلاء في شمالها، وما زالوا يتناوبون الملك في العالم؛ فتارة يملك العرب ويزحلون الأعاجم إلى آخر الشمال، وأخرى يزحلهم الأعاجم والترك إلى طرف الجنوب، سنة الله في عباده.
فلنذكر كيف انساق الملك لهؤلاء الطَّطَر، واستقرت الدول الإسلامية فيهم لهذا العهد فنقول: إن الله سبحانه خلق هذا العالم واعتمره بأصناف البشر على وجه الأرض، في وسط البقعة التي انكشفت من الماء فيه، وهي عند أهل الجغرافيا مقدار الربع منه، وقسموا هذا المعمور بسبعة أجزاء يسمونها الأقاليم، مبتدئة من خط الاستواء بين المشرق والمغرب، وهو الخط الذي تسامت الشمس فيه رؤوس السكان، إلى تمام السبعة أقاليم. وهذا الخط في جنوب المعمور، وتنتهي- السبعة الأقاليم في شماله. وليس في جنوب خط الاستواء عمارة إلى آخر الربع المنكشف، لإفراط الحر فيه، وهو يمنع من التكوين؛ وكذلك ليس بعد الأقاليم السبعة في جهة الشمال عمارة، لإفراط البرد فيها، وهو مانع من التكوين أيضأ. ودخل الماء المحيط بالأرض من جهة الشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة، في مدخل فسيح، وانساح مع خط الإستواء مغربا؛ فمر بالضين، والهند والسند واليمن، في جنوبها كفها. وانتهى إلى وسط الأرض، عند باب المندب، وهو البحر الهندي والصيني، ثم انحرف من طرفه الغربي في خليج عند باب المندب، ومر في جهة الشمال مغربا باليمن وتهامة والحجاز ومدين وأيلة وفاران، وانتهى إلى مدينة القلزم، وشممى بحر السويس، وفي شرقيه بلاد الصعيد إلى عيذاب، وبلا البجاة؛ وخرج من هذا البحر الهندي من وسطه خليج آخر يسمى الخليج الأخضر، ومر شمالا إلى الأبلة، ويسمى بحر فارس، وعليه في شرقيه بلاد فارس، وكرمان، والسند؛ ودخل الماء أيضا، من جهة الغرب في خليج متضايق في الإقليم الرابع، ويسمى بحر الزقاق، تكون سعته هنالك ثمانية عشر ميلا. ويمر مشرقا ببلاد البربر، من المغرب الأقصى والأوسط وأرض أفريقية والإسكندرية وأرض التيه وفلسطين والشام؛ وعليه في الغرب بلاد الإفرنج كلها؛ وخرج منه في الشمال خليجان: الشرقي منهما خليج القسطنطينية والغربي خليج البنادقة، ويسمى هذا البحر البحر الرومي، والشامي.
ثم إن هذه السبعة الأقاليم المعمورة، تنقسم من شرقيها وغربيها بنصفين: فنصفها الغربي في وسطه البحر الرومي، وفي النصف الشرقي من جانبه الجنوبي البحر الهندي، وكان هذا النصف الغربي أقل عمارة من النصف الشرقي، لأن البحر الرومي المتوسط فيه، انفسح في انسياحه، فغمر الكثير من أرضه. والجانب الجنوبي منه قليل العمارة لشدة الحر؛ فالعمران فيه من جانب الشمال فقط، والنصف الشرقي عمرانه أكثر بكثير، لأنه لا بحر في وسطه يزاحم. وجانبه الجنوبي فيه البحر الهندي، وهو متسع جدا؛ فلطف الهواء فيه بمجاورة الماء، وعذل مزاجه للتكوين؛ فصارت أقاليمه كلها قابلة للعمارة؛ فكثر عمرانه. وكان مبدأ هذا العمران في العالم، من لدن آدم صلوات الله عليه، وتناسل ولده أولا في ذلك النصف الشرقي، وبادت تلك الأمم ما بينه وبين نوح، ولم نعلم شيئا من أخبارها، لأن الكتب الإلهية لم يرد علينا فيها إلا أخبار نوح وبنيه؛ وأما ما قبل نوح فلم نعرف شيئا من أخباره؛ وأقدم الكتب المنزلة المتداولة بين أيدينا التوراة، وليس فيها من أخبار تلك الأجيال شيء، ولا سبيل إلى اتصال الأخبار القديمة إلا بالوحي؛ وأما الأخبار فهي تدرس بدروس أهلها.

واتفق النسابون على أن النسل كله منحصر في بني نوح، وفي ثلاثة من ولده، وهم سام، وحام، ويافث؛ فمن سام: العرب، والعبرانيون، والسبائيون؛ ومن حام: القبط، والكنعانيون، والبربر، والسودان؛ ومن يافث: الترك، والروم.، والخزر، والفرس، والديلم؛ والجيل.
ولا أدري كيف صح انحصار النسب في هؤلاء الثلاثة عند النسابين؛ أمن النقل؛وهو بعيد كما قدمناه، او هو رأي تفرع لهم من انقسام جماعة المعمور؛ فجعلوا شعوب كل جهة لأهل نسب واحد يشتركون فيه؛ فجعلوا الجنوب لبني لمسام، والمغرب لبني حام، والشمال لبني يافث. إلا أنه المتناقل بين النسابة في العالم، كما قلناه، فلنعتمده ونقول: أول من ملك الأرض من نسل نوح عليه السلام، النمرود بن كنعان بن كوش، بن حام ووقع ذكره في التوراة. وملك بعده عابر بن شالخ الذي ينسب إليه العبرانيون، والسريانيون، وهم النبط؛ وكانت لهم الدولة العظيمة، وهم ملوك بابل، من نبيط بن اشور بن سام، وقيل نبيط بن ماش بن إرم؛ وهم ملوك الأرض بعد الطوفان على ما قاله المسعودي. وغلبهم الفرس على بابل، وما كان في أيديهم من الأرض، وكانت يومئذ في العالم دولتان عظيمتان، لملوك بابل هؤلاء، وللقبط بمصر: هذه في المغرب، والأخرى في المشرق؛ وكانوا ينتحلون الأعمال السحرئة، ويعولون عليها في كثير من أعمالهم، وبرابي مصر، وفلاحة ابن وحشية، يشهدان بذلك. فلما غلب الفرس على بابل، استقل لهم ملك المشرق، وجاء موسى- صلوات الله عليه- بالشريعة الأولية، وحرم السحر وطرقه، وغلب الله له القبط بإغراق فرعون وقومه؛ ثم ملك بنو إسرائيل الشام، واختطوا بيت المقدس، وظهر الروم في ناحية الشمال والمغرب، فغلبوا الفرس الأولى على ملكهم. وملك ذو القرنين الإسكندر ما كان بأيديهم، ثم صار ملك الفرس بالمشرق إلى ملوكهم الساسانية، وملك بني يونان بالشام والمغرب إلى القياصرة، كما ذكرنا ذلك كله من قبل. وأصبحت الدولتان عظيمتين، وانتظمتا العالم بما فيه. ونازع الترك ملوك فارس في خراسان، وما وراء النهر، وكانت بينهم حروب مشهورة، واستقر ملكهم في بني افراسياب؛ ثم ظهر خاتم الأنبياء محمد صلوات الله عليه، وجمع العرب على كلمة الإسلام، فاجتمعوا له، (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم )، وقبضه الله إليه، وقد أمر بالجهاد، ووعد عن الله بأن الأرض لأمته، فزحفوا إلى كسرى، وقيصر بعد سنتين من وفاته، فانتزعوا الملك من أيديهما، وتجاوزوا الفرس إلى الترك، والروم إلى البربر والمغرب، وأصبح العالم كله منتظما في دعوة الإسلام. ثم اختلف أهل الدين من بعده في رجوعهم إلى من ينظم أمرهم، وتشيع قوم من العرب فزعموا أنه أوصى بذلك لإبن عمه علي، وامتنع الجماعة من قبول ذلك، وابوا إلا الاجتهاد في تعيينه، فمضى على ذلك السلف في دولة بني أمية التي استفحل الملك والإسلام فيها، وتنافل التشيع بتشعب المذاهب، في استحقاق بني علي، وأيهم يتعين له ذلك، حتى انساق مذهب من مذاهبهم إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس؛ فظهرت شيعته بخراسان، وملكوا تلك الأرض كلها، والعراق بأسره. ثم غلبوا على بنى أمية، وانتزعوا الملك من أيديهم، واستفحل ملكهم، والإسلام باستفحاله، وتعدد خلفاؤهم. ثم خامر الدولة ما يخامر الذول من الترف والراحة؛ ففشلوا. وكثر المنازعون لهم من بني علي وغيرهم؛ فظهرت دولة لبني جعفر الصادق بالمغرب، وهم العبيديون بنو عبيد الله المهدي بن محمد، قام بها كتامة وقبائل البربر، واستولوا على المغرب ومصر؛ ودولة بني العلوي بطبرستان، قام بها الديلم وإخوانهم الجيل؛ ودولة بني أمية النائية بالأندلس، لأن بني العباس لما غلبوهم بالمشرق، وأكثروا القتل فيهم، هرب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ونجا إلى المغرب. ثم ركب البحر إلى الأندلس؛ فاجتمع عليه من كان هنالك من العرب وموالي بني أمية، فاستحدث هنالك ملكا آخر لهم، وانقسمت الملة الإسلامية بين هذه الدول الأربع إلى المائة الرابعة. ثم انقرض ملك العلوية من طبرستان، وانتقل إلى الديلم، فاقتسموا خراسان وفارس والعراق، وغلبوا على بغداد، وحجر الخليفة بها بنو بويه منهم. وكان بنو سامان – من اتباع بني طاهر- قد تقلدوا عمالات ما وراء النهر، فلما فشل أمر الخلافة استبدوا بتلك النواحي، وأصاروا لهم فيها ملكاً ضخما، وكان آخرهم محمّود بن سبكتكين من مواليهم، فاستبد عليهم، وملك خراسان، وما وراء النهر إلى الشاش، ثم غزنة، وما وراءها جنوبا إلى الهند. وأجاز إلى بلاد الهند؛ فافتتح منها كثيرا، واستخرج من كنوزها ذخائر ليم يعثر عليها أحد قبله. وأقامت الملة على هذا النمط إلى انقضاء المائة الرابعة، وكان الترك منذ تعبدوا للعرب، وأسلموا على ما بأيديهم وراء النهر، من كاشغر والصاغون إلى فرغانة، وولاهم الخلفاء عليها؛ فاستحدثوا بها ملكا، وكانت بوادي الترك في تلك النواحي منتجعة أمطار السماء، وعشب الأرض، وكان الظهور فيهم لقبيلة الغزّ من شعوبهم، وهم الخوز، إلا أن استعمال العرب لها عرب خاءها المعجمة غينا، وأدغمت واوها في الزاي الثانيه؛ فصارت زاياً واحدة مشددة. وكانت رياسة الغزّ هؤلاء شي بني سلجوق بن ميكائيل، وكانوا يستخدمون لملوك الترك بتركستان تارة، ولملوك بني سامان في بخارى أخرى. وتحدث بينهما الفتنة؛ فيتألفون من شاءوا منهما؛ ولما تغلب محمّود بن سبكتكين على بني سامان، وأجاز من خراسان فنزل بخارى، واقتعد كرسيهم، وتقبض على كبار بني سلجوق هؤلاء، وحبسهم بخراسان. ثم مات وقام بالأمر أخوه مسعود، فملك مكانه، وانتقض على بنو سلجوق هؤلاء، وأجاز الغز إلى خراسان فملكوها، وملكوا طبرستان من يد الديلم، ثم إصبهان وفارس، من أيدي بني بويه، وملكهم يومئذ طغرلبك بن ميكائيل من بني سلجوق، وغلب على بغداد من يد بني معز الدولة بن بويه المستبدين على الخليفة يومئذ المطيع، وحجره عن التصرف في أمور الخلافة والملك، ثم تجاوز إلى عراق العرب، فغلب على ملوكه، وأبادهم، ثم بلاد البحرين وعمان، ثم على الشام، وبلاد الروم، واستوعب ممالك الإسلام كفها، فأصارها في ملكه؛ وانقبضت العرب راجعة إلى الحجاز، مسلوبة من الملك، كأن لم يكن لهم فيه نصيب، وذلك أعوام الأربعين والأربعمائة، وخرج الإفرنج على بقايا بني أمية بالأندلس، فانتزعوا الملك من ايديهم، واستولوا على حواضر الأندلس وأمصارها، وضاق النطاق على العبيديين بالقاهرة بملوك الغز يزاحمّونهم فيها من الشام، بمحمّود بن زنكي وغيره من أبنائهم ومماليكهم، وبملوك المغرب قد اقتطعوا ما وراء الإسكندرية، بملوك صنهاجة في أفريقية، والملثمين المرابطين بعدهم بالمغرب الأقصى والأوسط، والمصامدة الموحدين بعدهم كذلك، وأمام الغز والسلجوقية في ملك المشرق، وبنوهم ومواليهم من بعدهم إلى انقضاء القرن السادس؛ وقد فشل ريح الغز، واختلت دولتهم، فظهر فيهم جنكيزخان أمير المغل من شعوب الطَّطَر، وكانت كاهناً، وجده النجر كاهناً مثله. ويزعمونه أنه ولد من غير أب؛ فغلب الغز في المفازة، واستولى على ملك الطَّطَر، وزحف إلى كرسي الملك بخوارزم. وهو علاء الدين خوارزم شاه، سلفه من موالي طغرلبك، فغالبه على ملكه، وفر أمامه، واتبعه إلى بحيرة طبرستان؛ فنجا إلى جزيرة فيها، ومرض هنالك ومات، ورجع جنكيزخان إلى زندران، من أمصار طبرستان فنزلها، وأقام بها، وبعث عساكره من المغل حتى استولوا على جميع ما كان للغز، وأنزل ابنه طولى بكرسي خراسان، وابنه دوشيخان بصراي وبلاد الترك، وابنه جقطاي بكرسي الترك فيما وراء النهر، وهي كاشغر وتركستان، وأقام بما زندران إلى أن مات جنكيزخان ودفن بها؛ ومات ابنه طولي وله ولدان، قبلاي وهولاكو، ثم هلك قبلاي، واستقل هولاكو بملك خراسان، وحدث بينه وبين بركة بن دوشيخان فتنة بالمنازعة في القانية، تحاربوا فيها طويلا، ثم اقصروا، وصرف هولاكو وجهه إلى بلاد أصبهان، وفارس، ثم إلى الخلفاء المستبدين ببغداد، وعراق العرب، فاستولى على تلك النواحي، واقتحم بغداد على الخليفة المستعصم، آخر بني العباس وقتله، وأعظم فيها العيث والفساد، وهو يومئذ على دينه من المجوسية؛ ثم تخطاه إلى الشام؛ فملك أمصاره وحواضره إلى القدس، وملوك مصر يومئذ من موالي بني أيوب قد استحاشوا ببركة صاحب صراي؛ فزحف إلى خراسان ليأخذ بحجزة هولاكو عن الشام ومصر. وبلغ خبره إلى هولاكو فحرد لذلك، لما بينهما من المنافسة والعداوة، وكر راجعا إلى العراق، ثم إلى خراسان، لمدافعة بركة. وطالت الفتنة بينهما إلى أن هلك هولاكو. سنة ثلاث وستين من المائة السابعة، وزحف أمراء مصر من موالي بني أيوب، وكبيرهم يومئذ قطز، وهو سلطانهم فاستولى على أمصار الشام التي كان هولاكو انتزعها من أيدي بني أيوب، واحدة واحدة، واستضاف الشام إلى مصر في ملكه. ثم هدى الله أبغا بن هولاكو إلى الإسلام، فأسلم بعد أن كان أسلم بركة ابن عمه صاحب التخت بصراي من بني دوشي خان على يد مريد من اصحاب شمس.. الدين كبرى، فتواطا هو وابغا بن هولاكو علي الإسلام. ثم اسلم بعد ذلك بنو جقطاي وراء النهر؛ فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي ولد جنكيزخان من المغل، ثم من الطَّطَر، ولم يخرج عن ملكهم منها إلا المغرب والأندلس ومصر والحجاز، واصبحوا، وكأنهم في تلك الممالك خلص من السلجوقية والغز. واستمر الأمر على ذلك لهذا العهد، وانقرض ملك بني هولاكو بموت أبي سعيد آخرهم سنة أربعين من المائة الثامنة. وافترقت دولتهم بين عمال الدولة وقرابتها من المغل؛ فملك عراق العرب، واذربيجان وتوريز، الشيخ حسن سبط هولاكو، واتصل ملكها في بنيه لهذا العهد؛ وملك خراسان وطبرستان شاه ولي من تابعة بني هولاكو؛ وملك إصبهان، وفارس، بنو مظفر البردي من عمالهم أيضا؛ وأقاموا بنو دوشي خان في مملكة صراي وآخرهم بها طقطمش بن بردي بك؛ ثم سما لبني جقطاي وراء النهر، وملوكهم أمل في التغلب على أعمال بني هولاكو، وبني دوشي خان، بما استفحل ملكهم هنالك، لعدم الترف والتنعم، فبقوا على البداوة؛ وكان لهم ملك اسمه ساطلمش هلك لهذا العهد، واجلسوا ابنه على التخت مكانه، وأمراء بني جقطاي جميعا في خدمته، وكبيرهم تيمور المعروف بتمر بن طرغاي فقام بأمر هذا الصبي وكفله، وتزوج أمه، ومد يده إلى ممالك بني دوشي خان التي كاممت على دعوتهم وراء النهر، مثل سمرقند، وبخارى، وخوارزم، وأجاز إلى طبرستان وخراسان فملكها. ثم ملك اصبهان، وزحف إلى بغداد؛ فملكها من يد احمد بن أوشى. وفر احمد مستجيرا بملك مصر، وهو الملك الظاهر برقوق، وقد تقدم ذكره؛ فأجاره، ووعده النصر من عدوه. وبعث الأمير تمر رسلا إلى صاحب مصر، يقررون معه الولاية والاتحاد، وحسن الجوار؛ فوصلوا إلى الرحبة؛ فلقيهم عاملها، ودار بينهم الكلام فأوحشوه. في الخطاب، وانزلهم، فبيت جميعهم، وقتلهم. وخرج الظاهر برقوق من مصر، وجمع العرب والتركمان، واناخ على الفرات، وصرخ بطقطمش من كرسيه بصراي؛ فحشد ووصل إلى الأبواب. ثم زحف تمر إلى الشام سنة ست وتسعين وسبعمائة، وبلغ الرها، والظاهر يومئذ على الفرات، فخام تمر عن لقائه. وسار إلى محاربة طقطمش؛ فاستولى على أعماله كفها، ورجعت قبائل المغل إلى تمر؛ وساروا تحت رايته. وذهب طقطمش في ناحية الشمال، وراء بلغار، متذمما بقبائل أروس من شعوب الترك في الجبال. وسارت عصائب الترك كلها تحت رايات تمر؛ ثم اضطرات ملوك الهند، واستصرخ خارج منهم بالأمير تمر؛ فسار إليهم في عساكر المغل، وملك دلي، وفر صاحبها إلى كنباية مرسى بحر الهند، وعاثوا في نواحي بلاد الهند. ثم بلغه هنالك مهلك الظاهر برقوق بمصر؛ فرجع إلى البلاد، ومر على العراق، ثم على أرمينية وأرزنكان، حتى وصل سيواس فخربها، وعاث في نواحيها، ورجع عنها أول سنة ثلاث من المائة التاسعة. ونازل قلعة الروم، فامتنعت، وتجاوزها إلى حلب؛ فقابله نائب الشام وعساكره في ساحتها؛ ففضهم، واقتحم المغل المدينة من كل ناحية. ووقع فيها من العيث والنهب والمصادرة واستباحة الحرم، ما لم يعهد الناس مثله؛ ووصل الخبر إلى مصر، فتجهز السلطان فرج ابن الملك الظاهر إلى المدافعة عن الشام، وخرج في عساكره من الترك مسابقا المغل وملكهم تمر أن يصدهم عنها.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 12:57   المشاركة رقم: 29 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

لقاء الأمير تمر سلطان المغول والططر
لما وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر ملك بلاد الروم، وخرب سيواس، ورجع إلى الشام، جمع السلطان عساكره، وفتح ديوان العطاء، ونادى في الجند بالرحيل إلى الشام، وكنت أنا يومئذ معزولا عن الوظيفة؛ فاستدعاني دواداره يشبك، وأرادني على السفر معه في ركاب السلطان؛ فتجافيت عن ذلك. ثم أظهر العزم علي بلين القول، وجزيل الإنعام فأصخيت، وسافرت معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثلاث وثمانمائة؛ فوصلنا إلى غزة، فأرحنا بها أياما نترقب الأخبار؛ ثم وصلنا إلى الشام مسابقين الطَّطَر إلى أن نزلنا شقحب، وأسرينا فصبحنا دمشق، والأمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبك قاصدا دمشق، فضرب السلطان خيامه وأبنيته بساحة قبة يلبغا. ويئس الأمير تفر من مهاجمة البلد، فأقام بمرقب على قبة يلبغا يراقبنا ونراقبه أكثر من شهر، تجاول العسكران في هذه الأيام مرات ثلاثاً أو أربعا، فكانت حربهم سجالا؛ ثم نمي الخبر إلى السلطان وأكابر أمرائه، أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها؛ فاجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم، واختلال الدّولة
بذلك، فأسروا ليله الجمعة ، وركبوا جبل الصالحية، ثم انحطوا في شعابه، وساروا على شافة البحر إلى غزة، وركب الناس ليلا يعتقدون أن السلطان سار على الطريق الأعظم إلى مصر؛ فساروا عصبا وجماعات على شقحب إلى أن وصلوا إلى مصر، وأصبح أهل دمشق متحيرين قد عميت عليهم الأنباء.
وجاءني القضاة والفقهاء، واجتمعت بمدرسة العادلية، واتفق رأيهم على طلب الأمان من الأمير تمر على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك نائب القلعة، فأبى عليهم ذلك ونكره؛ فلم يوافقوه. وخرج القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي ومعه شيخ الفقراء فأجابهم إلى التأمين، وردهم باستدعاء الوجوه والقضاة، فخرجوا إليه متدلين من السور بما صبحهم من التقدمة، فأحسن لقاءهم وكتب لهم الرقاع بالأمان، وردهم على أحسن الآمال، واتفقوا معه على فتح المدينة من الغد، وتصرف الناس في المعاملات، ودخول أمير ينزل بمحل الإمارة منها، ويملك أمرهم بعزّ ولايته.
وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأله عني، وهل سافرت مع عساكر مصر أو أقمت بالمدينة، فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه؛ فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول. وبلغني الخبر من جوف الليل؛ فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر؛ فأبوا علي أولا، ثم أصخوا لي، ودلوني من السور؛ فوجدت بطانته عند الباب، ونائبه الذي عينه للولاية على دمشق، واسمه شاه ملك، من بني جقطاي أهل عصابته، فحييتهم وحيوني، وفديت وفدوني، وقدم لي شاه ملك، مركوبا، وبعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه. فلما وقفت بالباب خرج الإذن بإجلاسي في خيمة هنالك تجاور خيمة جلوسه، ثم زيد في التعريف باسمي أني القاضي المالكي المغربي، فاستدعاني، ودخلت عليه بخيمة جلوسه، متكئا على مرفقه، وصحاف الطعام تمر بين يديه، يشير بها إلى عصب المغل جلوسا أمام خيمته، حلقاً حلقاً. فلما دخلت عليه فاتحت بالسلام، وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إلي فقبلتها، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت. ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم ما بيننا، وسألني من اين جئت من المغرب؛ ولما جئت؛ فقلت: جئت من بلادي لقضاء الفرض ركبت إليها البحر، ووافيت مرسى الإسكندرية يوم الفطر سنة اربع وثمانين من هذه المائة الثامنة، والمفرحات بأسوارهم لجلوس الظاهر على تخت الملك لتلك العشرة الأيام بعددها. فقال لي: وما فعل معك؟ قلت كل خير، بر مقدمي، وأرغد قراي، وزودني للحج، ولما رجعت وفر جرايتي، وأقمت في ظله ونعمته؛ رحمه الله وجزاه. فقال: وكيف كانت توليته إياك القضاء؟ فقلت: مات قاضي المالكية قبل موته بشهر، وكان يظن بي المقام المحمّود في القيام بالوظيفة، وتحري المعدلة والحق، والإعراض عن الجاه، فولاني مكانه، ومات لشهر بعدها، فلم يرض أهل الدولة بمكاني، فأدالوني منها بغيري جزاهم الله. فقال لي: وأين ولدك؟ فقلت: بالمغرب الجواني كاتب للملك الأعظم هنالك. فقال وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ فقلت هو في عرف خطابهم معناه الداخلي، أي الأبعد، لأن المغرب كفه على ساحل البحر الشامي من جنوبه؛ فالأقرب إلى هنا برقه، وإفريقية؛ والمغرب الأوسط: تلمسان وبلاد زناتة؛ والأقصى: فاس ومراكش، وهو معنى الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ذلك المغرب؟ فقلت: في الزاوية التي بين البحر المحيط، والخليج المسمى بالزقاق، وهو خليج البحر الشامي؛ فقال: وسبته؛ فقلت: على مسافة من طنجة على ساحل الزقاق، ومنها التعدية إلى الأندلس، لقرب مسافته، لأنها هناك نحو العشرين ميلا. فقال: وفاس؛ فقلت: ليست على البحر، وهي في وسط التلول، وكرسي ملوك المغرب من بني مرين. فقال: وسجلماسة؟ قلت: في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب. فقال: لا يقنعني هذا، وأحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلها، أقاصيها وأدانيها وجباله وأنهاره وقراه وأمصاره، حتى كأني أشاهده. فقلت: يحصل ذلك بسعادتك؛ وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلب من ذلك، وأوعبت الغرض فيه في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنظفة القطع. ثم أشار إلى خدمه بإحضار طعام من بيته يسمونه الرشتة، ويحكمونه على أبلغ ما يمكن؛ فأحضرت الأواني منه، وأشار تعرضها علي، فمثلت قائما، وتناولتها وشربت واستطبت؛ ووفي ذلك منه أحسن المواقع؛ ثم جلست وسكتنا، وقد غلبني الوجل بما وقع من نكبة قاضي القضاة الشافعية، صدر الدين المناوي، اشره التابعون لعسكر مصر. بشقحب، وردوه؛ فحبس عندهم في طلب الفدية منه؛ فأصابنا من ذلك وجل؛ فزورت في نفسي كلاما أخاطبه به، وأتلطفه بتعظيم أحواله، وملكه. وكنت قبل ذلك بالمغرب قد سمعت كثيرا من الحدثان في ظهوره، وكان المنجمون المتكلمون في قرانات العلويين يترقبون القران- العاشر في المثلثة الهوائية، وكان يترقب عام ستة وستين من المائة السابعة. فلقيت ذات يوم من عام أحد وستين بجامع القرويين من فاس، الخطيب أبا علي بن باديس خطيب قسنطينة، وكان ماهرا في ذلك الفن، فسألته عن هذا القران المتوقع، وما هي آثاره؟ فقال لي: يدل على ثائر عظيم في الجانب الشمالي الشرقي، من أمة بادية أهل خيام، تتغلب على الممالك، وتقلب الدول، وتستولي على أكثر المعمور. فقلت: ومتى زمنه؟ فقال: عام أربعة وثمانين تنتشر أخباره. وكتب لي بمثل ذلك الطبيب ابن زرزر اليهودي، طبيب ملك الإفرنج ابن أذفونش ومنجمه. وكان شيخي رحمه الله إمام المعقولات محمد بن إبراهيم الآبلي متى فاوضته في ذلك، أو سابلته عنه يقول: أمره قريب، ولا بذلك إن عشت أن تراه.
وأما المتصوفة فكنا نسمع عنهم بالمغرب ترقبهم لهذا الكائن، ويرون إن القائم به هو الفاطمي المشار إليه في الأحاديث النبوية من الشيعة وغيرهم، فأخبرني يحيى بن عبد الله حافد الشيخ أبي يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب، إن الشيخ قال لهم ذات يوم، وقد انفتل من صلاة الغداة: إن هذا اليوم ولد فيه القائم الفاطمي، وكان ذلك في عشر الأربعين من المائة الثامنة؛ فكان في نفسي من ذلك كله ترقب له.
فوقع في نفسي لأجل الوجل الذي كنت فيه أن أفاوضه في شيء من ذلك يستريح اليه، ويأنس به مني، ففاتحته وقلت: أيدك الله! لي اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك. فقال لي الترجمان عبد الجبار: وما سبب ذلك؛ فقلت: أمران، الأول أنك سلطان العالم، وملك الدنيا، وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممن يقول في الأمور بالجزاف، فإني من أهل العلم، وأبين ذلك فأقول:

إن الملك إنما يكون بالعصبية، وعلى كثرتها يكون قدر الملك؛ واتفق أهل العلم من قبل ومن بعد، أن أكثر أمم البشر فرقتان: العرب والترك، وأنتم تعلمون ملك العرب كيف كان لما اجتمعوا في دينهم على نبئهم، وأما الترك ففي مزاحمتهم لملوك الفرس، وانتزاع ملكهم أفراسياب خراسان من أيديهم شاهد بنصابهم من الملك. ولا يساويهم في عصبيتهم أحد من ملوك الأرض من كسرى، أو قيصر، أو الإسكندر، أو بختنصر، أما كسرى فكبير الفرس ومليكهم؛ وأين الفرس من الترك؟ وأما قيصر والإسكندر فملوك الروم، وأين الروم من الترك؛ وأما بختنصر فكبير أهل بابل، والنبط. وأين هؤلاء من الترك؟ وهذا برهان ظاهر على ما ادعيته في هذا الملك.
وأما الأمر الثاني مما يحملني على تمنى لقائه، فهو ما كنت أسمعه من أهل الحدثان بالمغرب، والأولياء، وذكرت ما قصصته من ذلك قبل. فقال لي: وأراك قد ذكرت بختنصر مع كسرى، وقيصر، والاسكندر، ولم يكن في عدادهم، لأنهم ملوك اكابر. وبختنصر قائد من قواد الفرس، كما أنا نائب من نواب صاحب التخت، وهو هذا، وأشار إلى الصف القائمين وراءه، وكان واقفا معهم، وهو ربيبه الذي تقدم لنا أنه تزوج أمه بعد أبيه ساطلمش فلم يلفه هناك، وذكر له القائمون في ذلك الصف أنه خرج عنهم.
فرجع إليّ فقال: ومن أي الطوائف هو بختنصر؛ فقلت: بين الناس فيه خلاف،فقيل من النبط بقية ملوك بابل، وقيل من الفرس الأولى، فقال: يعني من ولد منوشهر قلت نعم هكذا ذكروا، فقال: ومنوشمهر له علينا ولادة من قبل الأمهات. ثم أفضت مع الترجمان في تعظيم هذا القول منه، وقلت له: وهذا مما يجعلني على بني لقائه.
فقال الملك: وأي القولين أرجح عندك فيه؛ فقلت إنه من عقبة ملوك بابل، فذهب هو إلى ترجيح القول الآخر. فقلت: يعكر علينا رأي الطبري؟ فإنه مؤرخ الأمة ومحدثهم، ولا يرجحه غيره، فقال : وما علينا من الطبري؛ نحضر كتب التاريخ للعرب والعجم، ونناظرك. فقلت: وأنا أيضا أناظر على رأي الطبري، وانتهى بنا القول، فسكت؛ وجاءه الخبر بفتح باب المدينة، وخروج القضاة وفاء بما زعموا من الطاعة التي بذل لهم فيها الأمان، فرفع هن بين أيدينا، لما في ركبته من الداء، وحمل على فرسه فقبض شكائمه، واستوى في مركبه. وضربت الآلات حفافيه حتى ارتج لها الجو. وسار نحو دمشق، ونزل في تربة منجك عند باب الجابية؛ فجلس هناك، ودخل إليه القضاة وأعيان البلد، ودخلت في جملتهم؛ فأشار إليهم بالانصراف، وإلى شاه ملك نائبه أن يخلع عليهم في وظائفهم؛ وأشار إلي بالجلوس، فجلست بين يديه. ثم استدعى أمراء دولته القائمين على أمر البناء؛ فأحضروا عرفاء البنيان المهندسين، وتناظروا في إذهاب الماء الدائر بحفير القلعة، لعلهم يعثرون بالصناعة على منفذه؛ فتناظروا في مجلسه طويلا، ثم انصرفوا، وانصرفت إلى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك، فأذن فيه. وأقمت في كسر البيت، واشتغلت بما طلب مني في وصف بلد المغرب؛ فكتبته في أيام قليلة، ورفعته إليه فأخذه من يدي، وأمر موقعه بترجمته إلى اللسان المغلى. ثم اشتد في حصار القلعة ونصب عليها الآلات من المجانيق، والنفوط، والعرادات، والنقب؛ فنصبوا لأيام قليلة ستين منجنيقا إلى ما يشاكلها من الآلات الأخرى، وضاق الحصار بأهل القلعة، وتهذم بناؤها من كل جهة، فطلبوا الأمان.
وكان بها جماعة من خدام السلطان ومخلفه، فأفنهم السلطان تمر، وحضروا عنده. وخرب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطير من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هنالك، من الأموال والظهر والخيام. ثم أطلق أيدي النهابة على بيوت أهل المدينة؛ فاستوعبوا أناسيها، وأمتعتها، واضرموا النار شيما بقي من سقط الأقمشة والخرثي؛ فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب؛ فلم تزل تتوقد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه؛ فسال رصاصه، وتهدمت سقفه وحوائطه، وكان أمرا بلغ مبالغه في الشناعة والقبح. وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء.
وكان أيام مقامي عند السلطان تمر، خرج إليه من القلعة يوم أمن أهلها رجل من أعقاب الخلفاء بمصر، من ذرية الحاكم العباسي الذي نصبه الظاهر بيبرس؛ فوقف إلى السلطان تمر يسأله النصفة في أمره؛ ويطلب منه منصب الخلافة كما كان لسلفه، فقال له السلطان تمر: أنا أحضر لك الفقهاء والقضاة، فان حكموا لك بشيء أنصفتك فيه، واستدعى الفقهاء والقضاة، واستدعاني فيهم، فحصرنا عنده وحضر هذا الرجل الذي يسأل منصب الخلافة، فقال له عبد الجبار: هذا مجلس النصفة فتكلم. فقال. إن هذه الخلافة لنا ولسلفنا، وإن الحديث صح بأن الأمر لبني العباس ما بقيت الدنيا، يعني أمر الخلافة. وأني أحق من صاحب المنصب الآن بمصر، لأن آبائي الذين ورثتهم كانوا قد استحقوه، وصار إلى هذا بغير مستند؛ فاستدعى عبد الجبار كلا منا في أمره، فسكتنا برهة، ثم قال: ما تقولون في هذا الحديث؟ فقال برهان الدين بن مفلح: الحديث ليس بصحيح. واستدعى ما عندي في ذلك فقلت: الأمر كما قلتم من أنه غير صحيح، فقال السلطان تمر: فما الذي أصار الخلافة لبني العباس إلى هذا العهد في الإسلام؟ وشافهني بالقول، فقلت: أيدك الله! اختلف المسلمون من لدن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، هل يجب على المسلمين ولاية رجل منهم يقوم بأمورهم في دينهم ودنياهم، أم لا يجب ذلك؛ فذهبت طائفة إلى أنه لا يجب، ومنهم الخوارج، وذهب الجماعة إلى وجوبه، واختلفوا في مستند ذلك الوجوب؛ فذهب الشيعة كلهم إلى حديث الوصية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ، أوصى بذلك لعليّ، واختلفوا في تنقلها عنه إلى عقبه إلى مذاهب كثيرة تشذ عن الحصر. وأجمع أهل السنة على إنكار هذه الوصية، وأن مستند الوجوب في ذلك إنما هو الاجتهاد، يعنون أن المسلمين يجتهدون في اختيار رجل من أهل الحق والفقه والعدل، يفوضون إليه النظر في أمورهم.
ولما تعدّدت فرق العلوية وانتقلت الوصية بزعمهم من بني الحنفية إلى بني العباس، أوصى بها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وبث دعاته بخراسان. وقام أبو مسلم بهذه الدعوة؛ فملك خراسان والعراق، ونزل شيعتهم الكوفة، واختاروا للأمر أبا العباس السفاح بن صاحب هذه الدعوة؛ ثم أرادوا أن تكون بيعته على إجماع من أهل السنة والشيعة، فكاتبوا كبار الأمة يومئذ، وأهل الحل والعقد، بالحجاز والعراق، يشاورونهم في أمره؛ فوقع اختيارهم كلهم على الرضى به، فبايع له شيعته بالكوفة بيعة إجماع وإصفاق. ثم عهد بها إلى أخيه المنصور، وعهد بها المنصور إلى بنيه، فلم تزل متناقلة فيهما، إما بِعَهدٍ أو باختيار أهل العصر، إلى أن كان المستعصم آخرهم ببغداد. فلمّا استولى عليها هولاكو وقتله، افترق قرابته، ولحق بعضهم بمصر، وهو أحمد الحاكم من عقب الراشد، فنصبه الطاهر بيبرس بمصر، بممالأة أهل الحل والعقد من الجند والفقهاء. وانتقل الأمر في بيته إلى هذا الذي بمصر، لا يعلم خلاف ذلك. فقال لهذا الرافع: قد سمعت مقال القضاة، وأهل الفتيا، وظهر أنه ليس لك حق تطلبه عندي. فانصرف راشداً.
الرجوع عن هذا الأمير تمر إلى مصر:
كنت لما لقيته، وتليت إليه من السور كما مرّ أشار علي بعض الصحاب ممن يخير أحوالهم بما تقدمت له من المعرفة بهم؛ فأشار بأن أطرفه ببعض هدية، وإن كانت نزرة فهي عندهم متأكدة في لقاء ملوكهم، فانتقيت من سوق الكتب مصحفا رائعا حسنا في جزء محذو، وسجادة أنيقة، ونسخة من قصيدة البردة المشهورة لأبوصيري في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، وأربع علب من حلاوة مصر الفاخرة. وجئت بذلك فدخلت عليه، وهو بالقصر الأبلق جالس في إيوانه؛ فلمّا رآني مقبلا مثل قائما وأشار إلي عز يمينه؛ فجلست وأكابر مرّ الجقطية حفافية؛ فجلست قليلا، ثم استدرت بين يديه، وأشرت إلى الهدية التي ذكرتها، وهي بيد خدامي؛ فوضعتها، واستقبلني؛ ففتحت المصحف فلما رآه وعرفه، قام مبادرا فوضعه على رأسه. ثم ناولته البردة، فسألني عنها وعن ناظمها فأخبرته بما وقفت عليه من أمرها. ثم ناولته السجادة، فتناولها وقبلها. ثم وضعت علب الحلوى بين يديه، وتناولت منها حرفا على العادة في التأنيس بذلك. ثم قسم هو ما فيها من الحلوى بين الحاضرين في مجلسه، وتقبل ذلك كله، واشعر بالرضى به. ثم حومت على الكلام بما عندي في شأن نفسي، وشأن اصحاب لي هنالك. فقلت ايدك الله! لي كلام اذكره بين يديك، فقال: قل. فقلت أنا غريب بهذه البلاد غربتين، واحدة من المغرب الذي هو وطني ومنشئي وأخرى من مصر وأهل جيلي بها، وقد حصلت في ظلك، وأنا أرجو رأيك لي فيما يؤنسني في غربتي، فقال: قل الذي تريد افعله لك، فقلت: حال الغربة انستني ما أريد، وعساك- أيدك الله- أن تعرف لي ما أريد. فقال: انتقل من المدينة إلى الأردو عندي، وأنا إن شاء الله أوفى كنه قصدك. فقلت يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك، فأشار إليه بإمضاء ذلك، فشكرت ودعوت وقلت: وبقيت لي أخرى، فقال: وما هي؛ فقلت: هؤلاء المخلفون عن سلطان مصر. من القراء والموقعين، والدواوين، والعمال، صاروا إلى إيالتك والملك لا يغفل مثل هؤلاء فسلطانكم كبير، وعمالاتكم متسعة، وحاجة ملككم إلى المتصرفين في صنوف الخدم أشد من حاجة غيركم، فقال وما تريد لهم؛ قلت: مكتوب أمان يستنيمون إليه، ويعولون في أحوالهم عليه. فقال لكاتبه: أكتب لهم بذلك، فشكرت ودعوت. وخرجت مع الكاتب حتى كتب لي مكتوب الأمان، وختمه شاه ملك بخاتم السلطان، وانصرفت إلى منزلي. ولما قرب سفره واعتزم على الرحيل عن الشام، دخلت عليه ذات يوم، فلما قضينا المعتاد، التفت إلي وقال: عندك بغلة هنا؛ قلت نعم، قال حسنة؛ قلت نعم، قال وتبيعها؛ فأنا اشتريها منك، فقلت أيدك الله! مثلي لا يبيع من مثلك، إنما أنا أخدمك بها، وبأمثالها لو كانت لي، فقال: أنا أردت أن أكافئك عنها بالإحسان، فقلت: وهل بقي إحسان وراء ما أحسنت به، اصطنعتني، واحللتني من مجلسك محل خواصك، وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو الله ان يقابلك بمثله، وسَكَت وسكتُّ وحملت البغلة- وأنا معه في المجلس- إليه، ولم أرها بعد.


يتبع











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس

قديم 2015-05-02, 13:04   المشاركة رقم: 30 (permalink)
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 84
الجنس :
ذكــــــر
الدوله :
الجزائر
المشاركات: 534 [+]
بمعدل : 0.54 يوميا
عدد المواضيع : 265
عــدد الــردود : 269
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 49
نقاط التقييم: 588
تلقى إعجابات : 390
أرسل إعجابات : 86
الحالة:
مختار22 غير متواجد حالياً
مختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to allمختار22 is a name known to all
 


كاتب الموضوع : مختار22 المنتدى : الأنبياء وأعلام الأمة والتاريخ و الحضارة الاسلامية
Post

ثم دخلت عليه يوماً آخر فقال لي: أتسافر إلى مصر؟ فقلت أيَّدك الله، رغبتي إنما هي أنت، وأنت قد آويت وكفلت، فإن كان السفر إلى مصر في خدمتك فنعم، وإلا فلا بغية لي فيه، فقال لا، بل تسافر إلى عيالك واهلك، فالتفت إلى أببه، وكان مسافراً إلى شقحب لمرباع دوابه، واشتغل يحادثه، فقال لي الفقيه عبد الجبار الذي كان يترجم بيننا: إن السلطان يوصي ابنه بك، فدعوت له؛ ثم رأيت أن السفر مع ابنه غير مستبين الوجهة، والسفر إلى صفد اقرب السواحل إلينا أملك لأمري، فقلت له ذلك؛ فاجاب إليه، وأوصى بي قاصدا كان عنده من حاجب صفد ابن الداويداري، فودعته وانصرفت، واختلفت الطريق مع ذلك القاصد، فذهب عني، وذهبت عنه. وسافرت في جمع من أصحابي؛ فاعترضتنا جماعة من العشير قطعوا علينا الطريق، ونهبوا ما معنا، ونجونا إلى قرية هنالك عرايا. واتصلنا بعد يومين أو ثلاث بالصبيبة فخلفنا بعض الملبوس، واجزنا إلى صفد، فاقمنا بها أياما. ثم مرّ بنا مركب من مراكب ابن عثمان سلطان بلاد الروم، وصل فيه رسول كان سفر إليه عن سلطان مصر، ورجع بجوار رسالته؛ فركبت معهم البحر إلى غزة، ونزلت بها، وسافرت منها إلى مصر، فوصلتها في شعبان من هذه السنة، وهي سنة ثلاث وثمانمائة؛ وكان السلطان صاحب مصر، قد بعث من بابه سفيرا إلى الأمير تمر إجابة إلى الصلح الذي طلب منه؛ فأعقبني إليه. فلما قضى رسالته رجع، وكان وصوله بعد وصولي؛ فبعث إلي مع بعض أصحابه يقول لي: إن الأمير تمر قد بعث معي إليك ثمن البغلة التى ابتاع منك، وهي هذه فخذها، فإنه عزم علينا من خلاص ذمته من مالك هذا. فقلت لا اقبله إلا بعد إذن من السلطان الذي بعثك إليه، وأما دون ذلك فلا. ومضيت إلى صاحب الدولة فأخبرته الخبر فقال وما عليك؛ فقلت إن ذلك لا يجمل بي ان افعله دون اطلاعكم عليه، فاغضى عن ذلك، وبعثوا إلي بذلك المبلغ بعد مدة، واعتذر الحامل عن نقصه بأنه أعطيه كذلك، وحمدت الله على الخلاص.
وكتبت حينئذ كتاباً إلى صاحب المغرب، عرفته بما دار بيني وبين سلطان الططرتمر، وكيف كانت واقعته معنا بالشام، وضمنت ذلك في فصل من الكتاب نصه:
"وإن تفضلتم بالسؤال عن حال المملوك، فهي خير والحمد لله، وكنت في العام الفارط توجهت صحبة الركاب السلطاني إلى الشام عندما زحف الطَّطَر إليه من بلاد الروم والعراق، مع فلكهم تمر، واستولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك، وخرّبها جميعاً، وعاثت عساكره فيها بما لم يسمع أشنع منه. ونهض السلطان في عساكره لاستنقاذها، وسبق إلى دمشق، وأقام في مقابلته نحواً من شهر؛ ثم قفل راجعاًأ إلى مصر، وتخلف الكثير من أمرائه وقضاته، وكنت في المخلفين. وسمعت أن سلطانهم تمر سأل عني؛ فلم يسع إلا لقاؤه فخرجت إليه من دمشق، وحضرت مجلسه، وقابلني بخير، واقتضيت منه الأمان لأهل دمشق، وأقمت عنده خمسة وثلاثين يوما، أباكره وأراوجه ثم صرفني، وودعني على أحسن حال، ورجعت إلى مصر. وكان طلب مني بغله كنت أركبها فأعطيته إياها، وسألني البيع فتأففت منه، لما كان يعامل به من الجميل، فبعد انصرافي إلى مصر بعث إلي بثمنها مع رسول كان من جهة السلطان هنالك، وحمدت الله تعالى على الخلاص من ورطات الدنيا.
وهؤلاء الطَّطَر هم الذين خرجوا من المفازة وراء النهر، بينه وبين الصين، أعوام عشرين وستمائة مع ملكهم الشهير جنكزخان وملك المشرق كله من أيدي السلجوقية ومواليهم إلى عراق العرب، وقسم الملك بين ثلاثة من بنيه وهم جقطاي، وطولي، ودوشي خان:
فجفَّطاي كبيرهم، وكان في قسمته تركستان وكاشغر، والصاغون، والشاش وفرغانة، وسائر ما وراء النهر من البلاد.
وطولي كان في قسمته أعمال خراسان، وعراق العجم، والري إلى عراق العرب وبلاد فارس وسجستان والسند. وكان أبناؤه: قبلاي، وهولاكو.
ودوشي خان كان في قسمته بلاد قبجق، ومنها صراي، وبلاد الترك إلى خوارزم. وكان لهم أخ رابع يسمى أوكداي كبيرهم، ويسمونه وشممونه الخان، ومعناه صاحب التخت، وهو بمثابة الخليفة في ملك الإسلام. وانقرض عقبه، وانتقلت الخانية إلى قبلاي، ثم إلى بني دوشي خان، أصحاب صراي. واستمر ملك الطَّطَر في هذه الدول الثلاث، وملك هولاكو بغداد، وعراق العرب، إلى ديار بكر ونهر الفرات. ثم زحف إلى الشام وملكها، ورجع عنها، وزحف إليها بنوه مرارا، وملوك مصر من الترك يدافعونهم عنها، إلى أن انقرض ملك بني هولاكو أعوام أربعين وسبعمائة، وملك بعدهم الشيخ حسن النوين وربنوه. وافترق ملكهم في طوائف من أهل دولتهم، وارتفعت نقمتهم عن ملوك الشام ومصر. ثم في أعوام السبعين أو الثمانين وسبعمائة، ظهر في بني جُقفطاي وراء النهر أمير اسمه تيمور، وشهرته عند الناس تضمر، وهو كافل لصبي متصل النسب معه إلى جَقْفطاي في آباء كفلهم ملوك، وهذا تمر بن طرغاي مما هو ابن عمهم، كفل صاحب التخت منهم اسمه محمّودمحمود، وتزوج أمهّ صرغتمش، ومذدَّ يده إلى ممالك التتر كلها؛ لفاستولى عليها إلى ديار بكر، ثم جال في بلاد الروم والهند، وعاثت عساكره في نواحيها، وخرب حصونها ومدنها، في أخبار يطول شرحها. ثم زحف بعد ذلك إلى الشام، ففعل به ما فعل، والله غالب على أمره. ثم رجع آخراً إلى بلاده، والأخبار تتصل بأنه قصد سمرقند، وهي كرسيه.
والقوم في عدد لا يسعه الإحصاء، إن قدرت ألف ألف فغير كثير، ولا تقول أنقص، وإن حسخيموا في الأرض ملأوا الساح، وأإن سارت كتائبهم في الأرض العريضة ضاق بهم الفضاء؛ وهم في الغارة والنهب والفتك بأهل العمران، وابتلائهم بأنواع العذاب، على ما يحصلونه من فئاتهم آية عجب، وعلى عادة بوادي الأعراب.
وهذا الملك تمر من زعماء الملوك وفراعنتهم، والناس ينسبونه إلى العلم، وآخرون إلى اعتقاد الرفض، لما يرون من تفضيله لأهل البيت، وآخرون إلى انتحال السحر؛ وليس من ذلك كله في شىء؛ إنما هو شديد الفطنة والذكاء، كثير البحث واللجاج بما يعلم وبما لا يعلم، عمره بين الستين والسبعين، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه على ما أخبرني، فيجرها في قريب المشي، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول المسافة، وهو مصنوع له؛ والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده.
ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر:
كنت- لما أقمت عند السلطان تمر تلك الأيام التي أقمت- طال مغيبي عن مصر، وشُيعت الأخبار عني بالهلاك، فقدم للوظيفة من يقوم بها من فُضلاء المالكية، وهو جمال الدين الأقفهسي، غزير الحفظ والذكاء، عفيف النفس عن التصدي لحاجات الناس، ورع في دينه؛ فقلدوه منتصف جمادى الآخرة من السنة.
فلما رجعتُ إلى مصر، عدلُوا عن ذلك الرأي، وبدا لهم في أمري؛ فولوني في أواخر شعبان من السنة. واستمررت على الحال إلي كنت عليها من القيام بالحق، والإعراض عن الأغراض، والإنصاف من المطالب؛ ووقع الإنكازرُ عليّ مقمن لا يدين للحق، ولا يعطي النصفة من نفسه؛ فسعوا عند السلطان في ولاية شخص من المالكية يعرف بجمال الدين البساطي، بذل في ذلك لسعاة داخلوه، قطعة من ماله، ووجوها من الأغراض في قضائه. قاتل الله جميعهم؛ فخلعوا عليه أواخر رجب، سنة أربع وثمانمائة. ثم راجع السلطان بصيرته، وانتقد رأيه، ورجع إلي الوظيفة خاتم سنة أربع، فأجريت الحال على ما كان. وبقي الأمر كذلك سنة وبعض الأخرى. وأعادوا البساطي إلى ما كان، وبما كان، وعلى ما كان، وخلعوا عليه سادس ربيع الأول سنة ست وثمانمائة ، ثم أعادوني عاشر شعبان سنة سبع وثمانمائة، ثم أدالوا به مني أواخر ذي القعدة من السنة وبيد الله تصاريف الأمور.


إنتهى











آخر مواضيعي

ولايات الجزائر ( موسوعة 48 ولاية )


مواضيع مقترحة في الرياضيات شعبة علوم تجريبية


كشف النقاط للإمتحان شهادة التعليم الابتدائي 2015


تنظيم معلقات مكتب مدير مدرسة ابتدائية


برنامج تسيير مركز الامتحان


عرض البوم صور مختار22   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)

ابـن, خلـدون


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
المراجع : متاحة
المصادر : متاحة


 

الساعة الآن 05:27 بتوقيت الجزائر
المنتدى غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء, فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه.
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات الوادي انفو ولا نتحمل أي مسؤولية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر).


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir, منتدى الوادي , منتدى وادي , منتدى الجزائر